search
إصدارات
ارتباطات
رحلة الغراب والحمار إلى الصين
6/7/2014

رفس الحمار باب الحظيرة وزعق في ولده الذي كان يقف خلفه مطأطئاً الرأس: تفضل بالدخول! وبمجرد دخولهما الحظيرة، انفجر الحمار في وجه ولده قائلاً: هل لديك جناحان تطير بهما؟َ! مالك وللغربان؟! إنها تلعب وتعبث وتسلب، وقبل أن تقع في أيدي البشر، ترفرف بأجنحتها وتطير في لمح البصر.. أما الحمار مثلك، فعليه أن يعمل ويطيع الأوامر. ألا ترى أنني متقاعد، وأمك مقعدة خرساء، فما الذي يجعل صاحب المرزعة يوفر لنا هذه الحظيرة؟! هل يفعل ذلك إعجاباً بنهيقك أم لتعمل وتحمل الأثقال؟! اعقل يا ابني فلم تعد صغيراً، واترك الغربان فهي من فصيلة حيوانية مختلفة عن فصيلتنا.

دخل الحمار الصغير غرفته حزيناً ووقف خلف الباب يسمع والده وهو يبث همومه لوالدته: كنت أعلق آمالاً عريضة عليه، وكنت أتوقع أنه سيصبح مثل أبناء بقية الحمير، لكنه للأسف لم يرحم شيبتي، ولو أساء التصرف من جديد، فإننا سننتهي في الشارع.  

استلقى الحمار الصغير على كومة قش نظيفة بعد توقف والده عن الكلام، وتذكّر المعاناة التي مرّ بها خلال الأيام الماضية، إذ قيّدت حوافره الأربعة وألقي على الأرض في حظيرة قذرة، وبقيت الفئران تعض فيه طوال الوقت، وأخذ يقول في نفسه: كلام والدي صحيح.. قد أجد عملاً أو مأوى في مكان آخر، وقد أهرب وأهيم على وجهي في البريّة.. لكن ماذا سيحل بوالديّ؟! هل سيلحق الصبيان بوالدي العجوز في الطرقات ويركبون فوق ظهره ثم يحشرونه في قفص مع مجموعة من الكلاب المسعورة؟! وهل ستقع والدتي المسكينة في يد صاحب مطعم جشع ليذبحها ويقدم لحمها لزبائنه مدعياً أنه لحم غزال؟! أغمض الحمار الصغير عينيه وقد أقسم بأن يقطع علاقته بالغراب.  

كان الحمار العجوز قد غط في نوم عميق إلى جانب زوجته التي بقيت ساهرة تدعو لولدها ودموعها تجري على خديها، فقد تسبّب حادث شاحنة تعرضت له قبل سنوات في إعاقتها عن الحركة، وفي فقدان قدرتها على الكلام.

بعد سويعات فتح الحمار الصغير عينيه ولاحظ أن الشمس لم تشرق بعد، وشعر بأنه أصبح حماراً آخر، وقرر أن يفاجئ والديه بالخروج باكراً والوقوف أمام كوخ صاحب المزرعة وانتظار أوامره، وحين همّ بالوقوف، سمع نعيقاً من خلفه، فالتفت إلى الوراء، فإذا بالغراب متكئاً على فتحة التهوية وينظر إليه متبسماً:

ــ اشتقت إليك كثيراً يا صديقي.

ــ والدليل أنك هربت حين رآنا صاحب المزرعة ونحن نعبث بأسلاك الهاتف.

ــ ههه لقد قطعت السلك بعد أن أمسك بك، بل إنني أرسلت له شطيرة سقطت فوق رأسه.

ــ ههه فعلتها إذن؟

ــ لم أتحمل رؤيته وهو يضربك ويزجُّ بك في حظيرة الفئران.

ــ لكنني مع هذا قررت أن أقطع صلتي بك.

ــ كان سيُمسك بك في كل الأحوال، سواء هربتُ أو سلمت نفسي إليه.. فأنت لا تطير.

ــ ولأنني لا أطير، فأرجوك ابتعد عني!

ــ وما علاقة هذا بهذا؟

ــ أنت بكل بساطة تطير عند حدوث مشكلة، وأنا الذي أتورّط.

ــ ليس دائماً.

ــ كيف؟

ــ سنسافر هذه المرة إلى الصين.

ــ الصين!

ــ أخبرني أحد الأصدقاء أنها أرض الأحلام والفرص بالنسبة للحمير.

ــ وماذا عن والديّ؟

ــ سنذهب ونعود في يوم واحد.. مجرد رحلة استكشاف لحياة الحمير هناك، ثم حاول أن تقنع والديك بالهجرة معك.

ــ وهل سأعمل مهندساً في الصين مثلاً؟! سأبقى حماراً في كل الأحوال.

ــ لا شك في أنك ستبقى حماراً، لكن حياة الحمير هناك أفضل.

ــ وكيف سنصل إلى الصين؟

ــ بالطائرة طبعاً.

ــ وأنت؟

ــ سأكون إلى جانبك.

ــ وستثير الفوضى كالعادة وستورطني معك!

ــ أبداً! سأكون حماراً مثلك.

ــ كيف؟

ــ أعني أنني لن أفعل أي شيء خاطئ، لأن الطائرة مثل القفص، ولن أستطيع الاستفادة من جناحيّ بداخلها، وسأصير حماراً مثلك طوال الرحلة.

وقف الحمار على قدميه وتسمّر في مكانه وأخذ يفكّر أن الحياة مليئة بالفرص، وليس من المعقول أن يبقى ذليلاً في هذه المزرعة، ومهدداً طوال الوقت بالطرد منها مع والديه، ثم إن الغراب أذكى من أن يفتعل مشكلة في الطائرة وهو محبوس فيها، فبكل بساطة سيُمسك به البشر وينتفون ريشه، وهو من الأساس لا يملك الصبر على الضرب كما يملك، ولا يتحمل جسده الضعيف الضربات كما يتحمل، وهذا سيجعله في وضعية أفضل من الغراب، وهذا دليل على صدقه، لأنه هو الذي عليه أن يخشى من تصرفاته هذه المرة.

كان الحمار يضحك من الغراب وهو يسير على قدميه على السُلّم المؤدي إلى الطائرة، ويقول له إنه يستطيع الوصول إلى الطائرة بالطيران، والغراب يرد بأن عليه أن يعتاد عدم استخدام جناحيه، فعمّا قليل سيجلس مثل الحمير في الطائرة.

أخذ الغراب يتشقلب فوق مقعده كلما مرّت مضيفة وهو يقول لصاحبه: انظر كيف سأبهرها بحركاتي! والحمار يضحك ويقول: اهدأ! فأنت في القفص الآن، وستبقى حماراً طوال الرحلة، والغراب يرد: بل أنت الحمار في كل الأحوال. وشعر الحمار بالمزيد من الاطمئنان حين أحكمت المضيفة ربط حزام الأمان على صدر الغراب، وقال له وهو ينهق ضاحكاً: أنت حمار حقيقي الآن!  

بعد أن استقرت الطائرة في الجو، راح الغراب يضرب جرس الخدمة، وكلما حضرت المضيفة وسألته عن حاجته، نظر إليها نظرات غير بريئة وقال بخفّة: "لا شيء! أحب أن أكحّل ناظري بجمالك!"، فتعود المضيفة من حيث أتت وهي غاضبة، بينما الحمار يضحك ويخبط حوافره على أرضية الطائرة.

وأخذ الغراب يغري صاحبه بتقليده، والحمار يفكّر بأنه لن تحدث مشكلة إن فعل مثله، فالغراب بالتأكيد درس الموضوع جيداً، وإلا لما تجرأ على فعل ذلك وهو محبوس في الطائرة، وهكذا ضرب الحمار الجرس وأتت المضيفة كالمعتاد وقال لها وقد برزت أسنانه الكبيرة: لا شيء! أحب أن أكحّل ناظري بجمالك.   

وبعد قليل حضرت المضيفة باكية وخلفها قائد الطائرة، وقالت له إن الغراب والحمار يتحرشان بها، فأمرهما قائد الطائرة بمرافقته، فسارا خلفه باستهتار، وحين وصلوا أمام باب الطائرة، فوجئا به يفتحه ويلقي بهما إلى الخارج، ووجد الحمار نفسه يهوي إلى الأرض بسرعة فائقة بينما الغراب يخفق بجناحيه من حوله ويسأله ضاحكاً: ألن ترافقني إلى الصين يا صديقي؟!

 

 

 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01