search
إصدارات
ارتباطات
الجنية خادمة الخادمة
21/6/2014

تحدى أحد الفتوات جماعته بأنه سيذهب بمفرده ليلاً إلى البئر الواقعة على أطراف القرية والتي يزعم الجميع أن الجن تعيش فيها، وخرج حاملاً دلواً معه ليجلب الماء من البئر كدليل على صدقه.

ومضت الساعات وأهل القرية شاخصون بأبصارهم في الظلمة، حيث اختفى صاحبهم، وقرروا في النهاية، وهم يضربون كفاً بكف، العودة إلى بيوتهم والخروج للبحث عن صاحبهم مع شروق الشمس.

وفي الصباح، وجدوه ميتاً بالقرب من البئر وقد علقت رجله بحبال مهترئة كانت ملقاة هناك، فأدركوا أن الجن يعيشون في عقولهم وليسوا في البئر ولا هم يحزنون، وأن الذي قتل صاحبهم لم يكن جنياً، وإنما الصدمة العصبية بعد أن اعتقد بقوة الإيحاء والوهم أن الجن يحاولون جذبه.

ومثل هذا المدعي الجبان، أنا أؤمن بوجود الجن لكنني أرفض تصديق قصص دخولهم فينا وخروجهم منا كأننا وكالة من غير بوّاب، أو امتلاكهم الأبراج والعمارات وانتقامهم منا إن اقتربنا من عقاراتهم.. ومع هذا، فإن أول فكرة تخطر ببالي حين أواجه موقفاً لا تفسير له هو: الجن!

واجهنا في البيت مشكلة الفناء الواسع الذي يتسخ بأوراق الشجر والرمال حتى يصبح كأنه مزبلة طبيعية. وكنا كلما استقدمنا خادمة، اشترطت عدم كنس الفناء، أو الاكتفاء بكنسه مرة في الأسبوع، إلا خادمة واحدة لم تقل شيئاً، وبدأت منذ اليوم الأول في الكنس، وفي اليوم الثاني، والثالث، فاقترحت عليها زوجتي الاكتفاء بالتنظيف مرة كل يومين، لكنها قالت: "لا صوت يعلو على صوت المكنسة"، وبقيت هكذا شهوراً تكنس بشكل يومي.  

هذه القوة الخارقة لفتت انتباهي، لأنني في إحدى فترات العيش من دون خادمة، كنست الفناء مرة واحدة فقط لكنني بقيت لمدة أسبوع أشعر بالإرهاق، وكنت في هذا الأسبوع مثالاً للزوج الذي يثور لأتفه الأسباب.. فكيف تكنس هذه الخادمة الفناء الواسع كل يوم وهي تضحك كأنها تمشط شعرها؟!

وما أثار شكوكي فيها أكثر أنني سمعتها تكلم نفسها في أحيان كثيرة، وفوق هذا هي من بلد تحوم حوله الشبهات بشأن تعامل أفراده بالسحر والشعوذة.

وهكذا، أصبحت مهيئاً لتصديق أي شيء، صحيح أن قوة تحمل الخادمة لا علاقة لها بالجن، وإنما هي قوية لأنها ربما كانت تعمل فلاحة في بلادها مثلاً، وصحيح أن التحدث مع النفس بصوت مسموع لا شيء فيه، لأنه دليل جنون بقر فحسب، وصحيح أن في بلدها أشخاص يتعاملون مع السحرة والمشعوذين، لكن هذا الأمر شائع في كل البلدان المتخلفة، وأصابع اليد ليست واحدة، لكن حين وضعت هذه القطع المستقلة بعضها عن بعض في إطار واحد، بدأت أرى ملامح مريبة في الصورة.

والغريب أنني كلما رأيتها في خيالي كانت الصورة بالأبيض والأسود، فأعود مثلاً إلى البيت وأراها واقفة أمام الطبّاخة تقلي البصل، وحين أتخيل هذا المنظر بعد قليل، أجدها واقفة كما هي وكل شيء من حولها بالأبيض والأسود، كأنها مشهد في فيلم قديم تتخله أصوات غريبة.

وفي منتصف إحدى الليالي سمعنا صوت ارتطام شديد مصدره حمام الغرفة، فذهبت زوجتي وعادت وهي تقول إنها وجدت فرشاة أسناني الكهربائية على الأرض، وبقيت أفكّر في الفرشاة التي أتركها واقفة على طاولة المغسلة في مكان بعيد عن حافتها، فكيف تحركت كل تلك المسافة حتى سقطت؟

وفي الصباح، وبينما كنت أقف تحت "دش" الماء، فوجئت بالفرشاة وهي تعمل بمفردها من دون أن ألمسها أو حتى أقترب منها، فأخذتها وأطفأت محركها، وقبل أن أعيدها إلى مكانها عادت إلى العمل من جديد، وبقيت هكذا في صراع معها إلى أن قررت أن أتركها تعمل.

وفي أثناء ارتداء ثيابي، جاءت زوجتي وقالت إن مكيف غرفة الأولاد مفتوح ولا يستجيب لأزار التحكم عن بُعد أو حتى عن قُرب، فحاولت أن أتجاهل موضوع الجن، لكن الخادمة خطرت ببالي بالأبيض والأسود، وهي متربعة على سريرها في جلسة تأمل وشعرها منسدل فوق وجهها.

وحين خرجت إلى الفناء حيث أوقف سيارتي، رأيت الخادمة تكنس كالعادة، فطلبت منها أن تساعدني في وضع الحقائب المدرسية في السيارة، فألقت المكنسة من يدها وحضرت إلي بسرعة اشتعال الكبريت وأخذت تضع الحقائب بينما أنا واقف إلى جانبها أسمع صوت كنس في الفناء، فالتفت بسرعة إلى المكنسة فوجدتها ملقاة على الأرض، فنظرت إليها، فنظرت إلي بشيء من المكر مع ابتسامة خفيفة، وكدتُ أن ألطمها على وجهها خصوصاً أنه ليس من عادتي أن أخاف من الجن في أوقات النهار، لكنني هرعت إلى الداخل، بينما صوت الكنس لا يزال يأتي ويذهب في أذني.

وأول شيء فعلته في الداخل هو الصراخ على أطفالي بأن يلتزموا أماكنهم ولا يخرجوا إلى الفناء، ثم أخبرت زوجتي بالموضوع، فخرجت لترى ما الذي يحدث وأنا البطل الشجاع أراقب من خلف النافذة.

وفي الحقيقة لم أكن خائفاً، ولم يتعد الشك عندي في وجود جني مع الخادمة نسبة واحد بالألف، لكنني مع هذا كنت مهيئاً لأسمع نتيجة إيجابية من زوجتي وهي تركض إلى الداخل وتقول: الخادمة تشغل جنية كخادمة لها! وهذا أمر غير مستبعد، فنحن نسمع عن قصص تسخير الجن لخدمة الإنس بلا عقود عمل ولا مكاتب استقدام.

عادت زوجتي بعد قليل وهي تضحك، فعرفت أن الجنية انتقلت إليها كما يحدث في أفلام الرعب، وجهّزت قبضة يدي لأدافع عن وجودي، لكنها قالت إن عامل البلدية يكنس الرصيف الملاصق لجدار البيت.  


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01