search
إصدارات
ارتباطات
الجهاز يصفّر والفيلسوف يثرثر
12/4/2014

كنت أجلس مطأطئ الرأس في غرفة العناية المركّزة إلى جانب صديق لي تعرض شقيقه لإصابات خطيرة نتيجة حادث دراجة نارية، حين دخل إلى المكان رجل وقور بدا لي أنه من أقرباء صديقي.

جلس الرجل إلى جانبنا بعد أن ألقى نظرات الأسى على الشاب المسكين الذي كان يرقد في غيبوبة، وفي أثناء حديثه مع صديقي عن الذي جرى، سمعنا صفيراً يصدر من الجهاز الطبي الموصول بالمصاب، فقال صديقي إنه صوت عادي يصدر بين الحين والآخر، لكن قريبه امتقع لونه ووقف مقترباً من الجهاز وأخذ يتمتم بكلام فحواه أن الحالة تزداد سوءاً، فالبيانات المقتضبة التي يصدرها الجهاز لا تبشّر بالخير، والرسوم البيانية للحالة تظهر على الشاشة وتختفي بسرعة غير مألوفة.

عند هذه اللحظة، رفعت رأسي ونظرت إلى صديقي لأرى ما الذي علينا فعله، لكنه أومأ لي برأسه بما يعني ألا أبالي بما يقوله قريبه، لكن الرجل استدار نحونا وقال إنه لا بد من إرسال المصاب إلى الخارج ليتلقى العلاج في المستشفيات المشهود لها بالكفاءة، وقال إنه يبرئ ذمته أمام الله وأمام هذا المسكين الذي لا حول له ولا قوة، وأن المصاب لو كان شقيقه لأخرجه فوراً من عند هؤلاء الجزّارين ولطار به إلى  أميركا.

وبدا لي أن صديقي غير مدرك لمدى خطورة حالة شقيقه، إذ لم يرد على كلام قريبه كأنّ الأمر لا يعنيه، وأخذ يعامله كأنّه غير موجود أصلاً، رغم أن الرجل لم يكن يتحدث من فراغ، فقررت بيني وبين نفسي أن أكلمه بعد مغادرة قريبه، لمحاولة إقناعه بنقل شقيقه إلى الخارج، فأنا في النهاية مجرد صديق من خارج العائلة، وربما كان صديقي أحمق يعتقد أن قريبه يمارس الوصاية عليه حتى لو كان الثمن هو روح شقيقه، أو ربما كانت هناك خلافات عائلية سابقة بينه وبين هذا الرجل تدفعه للمكابرة والإصرار على موقفه الرافض لمجرد تحويل شقيقه من غرفة إلى غرفة، وليس من دولة إلى أخرى، كما قال أخيراً بنبرة غاضبة.

كان صديقي وقريبه لا يزالان يتجادلان في الموضوع حين تخيلت أنني قد أكون في أحد الأيام مريضاً وفي غيبوبة، وأهلي يتجادلون فيما بينهم بشأن أفضل السبل لإنقاذ حياتي، وأخذت أستعرض وجوه أفراد عائلتي لأختار من بينهم شخصاً مشهوداً له بالحكمة والرأي السديد، ليكون هو صاحب القرار لو حصل لي مثل ذلك لا سمح الله، إذ ليس من المعقول أن تكون حياتي رهن العناد العائلي.

وفجأة أزاح قريب صديقي الستائر التي تفصل الغرفة عن صالة العناية المركّزة، وأخذ يصيح على الممرضات لإنقاذ المصاب قبل أن تخرج نفسه، وفعلاً حضرت ممرضة على عجل، فأشار ذلك الرجل إلى الجهاز الموصول بالمصاب وهو يوجه لها كلمات السباب باللغة العربية التي لا تجيدها الممرضة، بينما وقف صديقي وأمسك بيد قريبه محاولاً إخراجه من الغرفة، وفي هذه الأثناء قررت المغادرة، خصوصاً أن بعض النساء من عائلة صديقي بدأن في التوافد على المكان بعد الضجة التي حدثت. 

 بعد فترة التقيت صديقي، وكان شقيقه قد خرج من المستشفى يمشي على رجليه، وسألني صديقي ضاحكاً إن كنت ما أزال أتذكر ذلك الرجل، فقلت إنني أتذكره جيداً وأتذكر ردّ فعله حين أخذ يقرأ البيانات التي كان يرسلها الجهاز، وأخبرته بمشاعري نحوه في تلك اللحظة، وأنني كنت متعجباً من موقفه وعناده.. ففاجأني بقوله إن قريبه لم يكن يقرأ البيانات ولا هم يحزنون.

وعرفت من صديقي أن ذلك الرجل الذي اعتقدتُ أنه طبيب أو على الأقل يفهم ما يقول، لم يسبق أن أجريت له عملية جراحية، ولم يدرس الطب، بل لم يدرس مادة الأحياء أيام المدارس باعتباره كان من طلاب الفرع الأدبي، ولم يصاحب طبيباً قط، ولم يتحدث إلى أي طبيب أو ممرض أو إداري في مستشفى طوال حياته، ولا يعرف من الإنجليزية إلا كلمات قلائل، وهو إلى ذلك متخلف تكنولوجياً، وبالكاد يعرف كيف يرسل رسالة نصية من هاتفه المتحرك، وأنه كان سيبدي "رأيه" في كل الأحوال، سواء صفّر الجهاز أم أخذ يطلق الزغاريد.  

فسألت صديقي: ما هي مشكلته إذن؟! فقال: لا شيء، مجرد فيلسوف مثل ملايين الأشخاص الذين يثرثون في أمور لا يعرفون عنها أي شيء. 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01