search
إصدارات
ارتباطات
حين عملت خادماً في الفضاء
19/4/2014

قبل التخرج من برنامج دبلوم إدارة الفنادق بجامعة هندية في دبي، استعرض المشرف أسماء فنادق ومنتجعات معروفة لإنجاز فترة التدريب العملي فيها، فعلّقت قائلاً إنني أرغب في التدرّب على متن مكوك فضائي، فضجّت القاعة بالضحك، وهكذا انتزعت ابتسامة من فم زميلة كانت تشغل بالي ولا تدري بحالي.  

وفوجئت بعد أيام بالمشرف يحدثني بجدية عن شقيق له يعمل في المنظمة الهندية لأبحاث الفضاء، وأنهم بصدد إرسال مركبة استكشافية، فقلت له إنني كنت أمزح، لكنه أخذ يعزف على وتر الرجولة والتحدي بداخلي، فأبديت موافقة مبدئية لمجرد التخلّص من الإحراج.

بعد أيام كنت حديث الجميع، ورحت أسمع كلمات التشجيع في كل مكان، وللمرة الأولى تحدثت إلي تلك الزميلة بعد ثلاث سنوات من تبادل النظرات، بل إنها وثبت أمامي مثل الظبي وارتمت عليّ، وقالت إنني إنسان مذهل.

لكن كيف سأتصرف الآن؟! هل أتراجع لأبوء بالعار والشنار وأصبح أضحوكة مذهلة إلى الأبد؟! فهؤلاء الطلبة سيكونون إلى جانبي غداً، وقد يصبح أحدهم مدير فندق وأكون نائبه، فيقول لي في وسط الاجتماع: "أرجو أن تهتم براحة روّاد الفضاء.. ههه أقصد النزلاء".  

وقبل السفر بأيام طمأنني المشرف بأنني سألتحق هناك بدورة مكثفة لأعتاد أجواء الفضاء، وأتعرف على المكوك، وقال إن عروض العمل ستنهال علي فور عودتي، وذلك بقصد استغلال اسمي باعتباري أول إنسان قدّم خدمة فندقية في الفضاء.  

وحين وصلت إلى مقر المنظمة، فوجئت بأن رحلتنا ستكون بعد أسبوع، وسارت الإجراءات بسرعة لدرجة أنني لم أجد الوقت للبكاء، أو الاتصال بأهلي إلا قبيل ساعة الصفر بدقائق، ووجدت نفسي أسير على الحزام الآلي المتصل بالمكوك "تشاندرايان"، خلف ثلاثة رواد فضاء بينهم امرأة، لا نرتدي سوى ملابسنا الداخلية، وفوجئت برائدة الفضاء تتوقف فجأة وتطلب مني بعصبية أن أتقدمها في المسير.

وفي داخل المكوك ألبسوني بدلة الفضاء، وطلبوا مني الجلوس في مقعد في المؤخرة، وأخذ أحد الرجلين يتحدث إلي من خلال أنبوب داخلي مخصص لكل واحد منا، بينما بقي صاحبه ينظر إلي بطريقة غير ودية، وأدركت أنه وقع تحت تأثير رائدة الفضاء التي لا أدري ما الذي أغضبها مني.

انطلق المكوك بسرعة 28 ألف كلم/ ساعة، وبعد فترة وجدت نفسي أطفو على مقعدي، ولولا حزام الأمان لتشقلبت في مكاني، وبدأت أشعر باختلال في البصر، وبالصداع والغثيان، لكن لم يكن الإنهاك الفسيولوجي إلا بداية لمأساة نفسية، إذ اكتشفت بأنني أصبحت بطريقة دراماتيكية نكرة فضائية، وتذكرت الشروط التي وقعت عليها قبل الانطلاق، والتي كانت تعني ضمناً بأنني مجرد خادم.

كانت البداية في تخصيص مقعد منزوٍ لي عن الآخرين، ثم في حديثهم فيما بينهم بالهندية كأنني خارج التشكيلة، ثم في اليوم التالي راحوا يوجهون إلي الأوامر بتلك اللغة، ولولا أنهم كانوا يتواصلون مع الفريق الأرضي بالإنجليزية، لما عرفت أين أنا، وأذكر أنني اقترحت عليهم أن يتركوا لي المأكولات القليلة غير الحارة، إذ كانت أكثرها بنكهة فلفل لاذع، فقالت رائدة الفضاء إنني خادم دلوع.

وهكذا، بدأت أتلقى الإهانات، ففي إحدى المرات طلبت مني رائدة الفضاء إحضار جهاز مطياف الكتلة، فأخذت أفتش عنه على غير هدى، وأثناء ذلك كنت أسمعها تقول بأنني غبي، وحين قدمت إليها الجهاز، قالت لي: "يا حمار! هذا مقياس الارتفاع الراداري!".

وفي مرة طلب مني رائد الفضاء الذي كان لطيفاً معي بأن آتيه بالعازل الرغوي الموجود على أرضية المكوك، ثم سمعته يعلق بشكل ساخر: "ماذا تفعل؟َ! تبحث عنه في السقف؟!". وبعد أيام طلب مني رائد الفضاء الآخر إحضار شيء معين، فسألته إن كان موجوداً في الأرضية أو في السقف، فقال بغضب: "لا شيء اسمه أرضية أو سقف في المكوك الفضائي.. يا روح أمك!". وفي إحدى المرات طلب مني أحدهم الضغط على زر تشغيل التعقب عن بُعد، ثم صرخ فجأة: "يا غبي! هذا زر قاذفة النجاة"، فقعدت رائدة الفضاء تولول يومين أو ثلاثة، وهي تقول إن هذا الخادم سيقتلنا بحماقته. وفي مرة أخرى طلبوا مني إدخال وصلة الدرع الحراري في الفتحة 47 من اليمين، ولأنني لا أميّز اليمين عن الشمال في كلامهم، ولا أعرف أساساً ما هو الدرع الحراري، فوجدتهم يزعقون: "يا غبي! من الجهة الأخرى.. يا غبي!".

وبعد شهر تقريباً طلبت مني رائدة الفضاء الحضور إلى غرفة القيادة، وهي أكثر غرفة غرابة في المكوك، فهي محاطة بالكامل بالكمبيوترات والشاشات والعدّادات وأذرع التحكم والأزرار والفصوص، وحين دخلت راحت توبخني لأنني أتحرك ببطئ، فقلت لها بأدب بأنني لست معتاداً العيش في بيئة تنعدم فيها الجاذبية، فصرخت في وجهي بأن أخرس، ثم طلبت مني تسخين كيس أرز، وقالت معلقة: "تسخينه وإحضاره أيضاً".

فتحركت بأقصى سرعة إلى حيث الفرن، لكن زميلها شتمني، وقال إنني أربك عملهم في الأبحاث الفضائية، فأوضحت له بأن زميلته هي التي طلبت مني التحرك بسرعة، فقال إنها محقة، وهو أيضاً محق، وأن على الخادم الانصياع التام للأوامر حتى لو كانت متضاربة. وحين عدت إليها بالمطلوب، فوجئت بها ترمي الكيس وتقول بأنها طلبت حساء بالقشدة، فلم أعرف كيف أرد عليها، فأنا بالكاد بدأت أفهم الهندية، واعتقدتُ فعلاً أنها طلبت الأرز.

وأخذت أفكر في طريقة لإرجاعي إلى الأرض، وكنت أعرف أنه يمكن العودة خلال ست ساعات فقط، فقررت أن أتمارض وأتوقف عن العمل، وفعلاً بدأت في محاولة التقيؤ لكنهم تكالبوا علي، حتى ذلك الذي كان متعاطفاً معي، وبدؤوا في دفعي يميناً وشمالاً وتوجيه الإهانات إلي.

فقد الجميع ثقتهم بي إثر ذلك، فأنا لا أنفذ عملي بأمانة وبإخلاص، لدرجة أن رائدة الفضاء اتهمتني بأنني أحتفظ بسوائلي الآدمية لأخلطها بالعصائر، فأوضحت لها بأن زميلها هو الذي طلب مني الاحتفاظ بها لإعادة تدويرها وفلترتها والاستفادة منها، ولحسن الحظ أنها اقتنعت وطلبت مني أن أخرس في كل الأحوال. وكانوا يقولون إنني آكل أكثر من المخصص لي، وأغسل مناشفهم مع مناشفي القذرة، وأضع يدي في أنفي كلما سنحت لي الفرصة، وكانت رائدة الفضاء تعتقد أنني "أبصبص" عليها، والحقيقة أنني لم أكن أفعل أي شيء من ذلك.  

وقبيل العودة إلى الأرض، انزلقت في كيس النوم الخاص بي والمعلق على حائط في المركبة، حيث كنت أنام واقفاً واضعاً يدي على صدري لئلا ألمس "بغبائي" المعدات أثناء النوم، ونظرت إلى الأرض البعيدة جداً وأنا في المركبة السابحة في الظلام وفي الفضاء ما بين النجوم والكواكب، ونزلت من عيني دمعة أخذت تدور على خدي.

كنت أعتقد أننا سنصبح عائلة واحدة في الفضاء، لكنني اكتشفت أنني مجرد خادم، مضطر للتعامل مع أشياء أراها لأول مرة، وإلى فهم لغة لم يسبق لي التحدث بها، وإلى العيش مع أشخاص لا أعرفهم، وفي بيئة غريبة عني وبعيداً عن أهلي وأحبائي، وزميلتي السخيفة التي وثبت أمامي مثل الظبي.   

كنت أحاول أن أشرح لهم بأنني مغلوب على أمري، فأنا مثل الخادمة التي نستقدمها من أكواخ الصفيح أو البامبو أو القش، إلى بيوتنا الفخمة ذات الدورين والثلاثة، ومن التنقل بين القرى والمزارع على ظهر حمار أو بغل، إلى ركوب سيارات فارهة، ومن الطبخ في العراء باستخدام قدر واحد، وسكين واحدة لكل شيء، وملعقة مصنوعة من علبة صدئة، إلى مطابخ بها مئات السكاكين والملاعق والأشواك والأكواب والقدور والأواني المخصصة كل واحدة منها لنوع معين من الطبخ أو الأكل.

لذلك، نتعجب منها حين تضع الزبدة في الخزانة، ونثور حين تقف أمام السيارة لا تدري كيف تفتح بابها، ونولول حين تتسبب في إتلاف جهاز كهربائي، ونخصم من أجرها حين تحرق ملابسنا أثناء الكوي، ونعتقد في كل هذا أنها متعمدة، وأنها لعينة، وأنها ساحرة ماكرة. 

حين أفقتُ من النوم، وجدت مخدتي مبللة بالدموع، ووجدت أنني في غرفتي على الأرض، وعرفت أنه كان مجرد كابوس.  


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01