search
إصدارات
ارتباطات
شركة التطرف السُنية ومؤسسته الشيعية
18/9/2014

بقي الكلام عن سُنة وشيعة في بطون الكتب الصفراء إلى أن جاءت الثورة الخمينية، وأخذ هذا التصنيف يكبر حادثة بعد أخرى إلى أن أصبح واقعاً، لدرجة أن رئيس الولايات المتحدة تحدث مؤخراً عن شيء اسمه دول "سُنية"، وربما تعرف الآن ربّات البيوت في اليابان والبرازيل أننا سُنة وشيعة!

هذا الحديث شرٌ، لكن لا بد منه، خصوصاً أن أبناء مكون واحد يشعرون بأن العالم يفتح عينيه ويحرك يديه أمام التطرف المحسوب عليهم، حتى قبل ظهور "الدواعش" والهبّة الأممية ضدهم، لكنه يبقى ساكناً أمام التنظيمات المحسوبة على المكون الآخر، وهو الشعور الذي يثير غضبهم، والذي لا يستفيد منه سوى المتطرفين على الجانبين.

فهل معايير العالم مزدوجة فعلاً نحو الإرهاب "الإسلامي"، عندما لا يتوقف عن الحديث عن إرهاب "سُني"، لكنه لا يتوقف عند نظيره "الشيعي"؟

وقبل الإجابة، لا بد من توضيح الفرق الجوهري بين نظام التطرف ذي الخلفية السُنية، ونظام التطرف ذي الخلفية الشيعية، ويمكن القول إن التطرف السُني يعمل كشركة مملوكة لأشخاص كثر. فهي تنظيمات تعمل أكثرها باستقلالية عن بعضها بعضاً، وليست ضمن مشروع واحد، وإن كانت جميعها تعمل تحت مظلة عقائدية واحدة تقريباً، مثلها مثل شركة فاشلة، لكل تنظيم حصة فيها، وبالتالي استراتيجية في إدارة التطرف وإنتاج التوحّش، تتعارض غالباً مع الاستراتيجيات الأخرى إلى درجة الاقتتال الداخلي!

لذلك، نرى أسماء كثيرة في شركة التطرف السُنية: "القاعدة" بفروعها المختلفة، و"داعش"، و"جبهة النصرة"، و"أحرار الشام"، و"جيش المجاهدين"، و"فتح الإسلام"، و"جند الشام"، و"أنصار الشريعة"، و"التوحيد والجهاد"، و"بوكو حرام"، وجماعة أبو سياف، و"حركة الشباب المجاهدين".. الخ. ونلاحظ أيضاً أن معظم هذه التنظيمات تكفّر وتقاتل بعضها بعضاً، وكل واحدة تريد هدم الشركة وتصفية بقية الشركاء والتحول مؤسسة فردية.

وباعتبار أن التطرف السُني يعمل كأنه شركة، فلا تلقى تنظيماته (الشركاء) دعماً من خارج الشركة، أعني دعماً رسمياً من الدول السُنية، وحتى لو وُجد بعض الدعم المالي أو الإعلامي لبعضها، فغالباً يتم عبر أشخاص، هم شركاء صغار أساساً، أو من جهات شعبية، أو عبر استغلال ثغرات أمنية أو قانونية، وفي أسوأ الفرضيات، إذا كنا نتحدث عن تدفق المقاتلين وتسللهم إلى البؤر الملتهبة، فبطريقة "دعه يذهب إلى الجحيم".

أعني أن هذا التطرف لا يأتي ضمن استراتيجيات هذه الدول، ولا أحد من زعماء تلك التنظيمات يتصل هاتفياً برئيس أي بلد سُني ويسأله: ما الخطوة التالية؟ خصوصاً أن هذه التنظيمات تكفّر جميع الأنظمة القائمة، وتقدم نفسها كبديل شرعي عنها، بل هناك شكوك قوية حول علاقات تربط بين بعض هذه التنظيمات وبين مالكة مؤسسة التطرف الشيعي!  

أما على الجانب الآخر، فالتطرف الشيعي في اعتقادي أشبه بمؤسسة فردية تملكها جهة واحدة، ولا رؤية ولا صوت إلا رؤيتها وصوتها. فهي تنظيمات تدار وتموّل من قِبل دولة، تخدم أجندتها وتنفّذ مشروعها، كأنها أدوات في مؤسسة فردية "ناجحة".

ورغم أننا نسمع عن أحزاب وكتائب وعصائب شيعية، فإنه لا حاجة للتدليل على أن هذه التنظيمات موظّفة ومجرد أدوات لدى مؤسسة التطرف الشيعي المملوكة لجهة محددة، تدعم هذه التنظيمات بالمال والسلاح والتدريب، وتوفر لها أو لبعضها التغطية السياسية، فـ"حزب الله" اللبناني، و"عصائب أهل الحق" العراقية، يقاتلان معاً الجماعات الثائرة على نظام بشار الذي تدعمه الدولة الإيرانية بكل قوة، وزعيم "حزب الله" يقدم نفسه على أنه الوكيل الشرعي في لبنان للولي الفقيه في إيران، وباعتبار أن الوكيل ملزمٌ بما يحدده له موكله، فليس من العجيب أن يتصل حسن نصر الله بموكله ويسأل: ما الخطوة التالية يا سيدي؟

فهم هذا الفارق الجوهري بين شركة الإرهاب ومؤسسته، يؤسس لفهم آخر أهم، هو فهم الأسباب التي تجعل العالم يكيل مسألة التطرف بمكيالين، ويقيّم المنتج الإرهابي بمعايير مزودجة، كما يُردد في أوساط السُنة، وهو الشعور الذي يؤدي إلى إشعال غضبهم، والذي يؤدي بدوره إلى تغذية التطرف السُني وزيادة شعبية تنظيماته، ويتسبب أيضاً في تآكل شرعية الدول السُنية التي تسعى إلى محاصرة التطرف وتجفيف منابعه.

ومن دون العودة إلى الوراء كثيراً، فقد افتتحت "القاعدة" القرن الحادي والعشرين بتفجيرات هائلة في أميركا، وبقيت شركة التطرف تنشر الخراب في أنحاء العالم: بالي 2002، واسطنبول 2003، ومدريد 2004، ولندن 2005، ومومباي 2008 و2011، ناهيكم عن العمليات "الصغيرة" لكن البشعة جداً، وعن الإرهاب الذي طال الكثير من الدول العربية، فتبنّاه أو ادّعاه أو أدين به، أو اتُهم فيه تنظيم سُني غالباً.

كل هذا جعل العالم مستنفراً ضد هذه الشركة سيئة السمعة التي يتنافس الشركاء فيها على تقديم الأدلة ضد أنفسهم، بالصوت والصورة دائماً، بهدف إثبات "نقائهم" واستقطاب المزيد من المتطرفين، في حين أننا لا نرى مشاهد لنحر أشخاص جهاراً نهاراً على أيدي تنظيمات مؤسسة التطرف، بل إنها تتبرأ من بعض الجرائم التي تتوالى فيها الأدلة على مسؤوليتها عن ارتكابها، باعتبار أنها دولة تعرف ثمن إثبات تورطها، وليست جماعة تعيش في الكهوف، أو "أمير مؤمنين" يتنقل عبر الصحاري في "بيك أب"... وهكذا تضيع الحقيقة مع عدم توافر سيد الأدلة (الاعتراف). 

وعلى عكس أدبيات مؤسسة التطرف التي تركّز على الداخل الإسلامي، فأدبيات شركة التطرف تعتبر أن 77 في المئة من البشر (من غير المسلمين) مباحي الدم، ما لم يسلموا أو يدفعوا الجزية! كما أنها لا تعترف بإسلام بقية المسلمين، ومن ثم فإنها في صراع مع العالم بأسره، ولا تتوانى عن إشعال الصراع بالتفجيرات كلما سنحت الفرصة.

وأمر آخر، أن شركة التطرف ذات واجهة دينية، بينما مؤسسة التطرف تبدو كأنها بهوية سياسية، وهذا الفارق مهم في نظر العالم الذي قد "يتفهّم" الإرهاب السياسي، وقد يخلط بينه وبين المقاومة المشروعة، لكن لا أحد يمكن أن يناقش إرهاباً قائماً على أساس ديني.

كما أن الدول الإسلامية وغير الإسلامية التي تعيش فيها جاليات إسلامية، أي أكثر دول العالم، ترى تحوّل بعض أبنائها إلى "جهاديين" ضمن شركة التطرف، وتراقب من لا يزالون في قوائم الانتظار للتسجيل في الشركة، لكن هذا التخوّف تقريباً لا وجود له نحو مؤسسة التطرف، لأن مالكتها تعرف ماذا تفعل. 

أمر أخير، أن العالم – الغرب تحديداً – يعرف أن مالكة مؤسسة التطرف تعرف حدودها، وتبحث عن دور لها في إقليمها، وتسعى إلى هيمنة في وسط محيطها، وربما تتلاقى أهدافها مع أهدافه، بينما شركة التطرّف الفوضوية، تسعى إلى التخريب من أجل التخريب.

يبقى الإرهاب إرهاباً، لكن فهم "المنتج" الإرهابي يساعد في فهم سبب اختلاف نظرة العالم إليه، مما يخفف من حالة الغضب التي تسود بين أبناء مكون واحد، ذلك الغضب الذي يساهم في إبعاد الأنظار عن المؤسسة، ويسلط الأضواء أكثر على الشركة. 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01