search
إصدارات
ارتباطات
بقرة الهندوس وسكين المسحراتي
18/5/2014

في خمسينيات القرن الماضي، كان مسحراتي فقير لا يجد قوت يومه إلا في شهر رمضان الكريم، إذن كان الناس يعطونه شيئاً مقابل خدمته في إيقاظهم لتناول وجبة السحور بقرعه على الطبل في أزقة الأحياء الشعبية.

وكان إذا استبد الجوع بذلك المسحراتي في غير شهر رمضان، أخذ سكيناً وبحث عن بقرة وجذبها معه ودخل بها إلى سوق "البانيان" الواقع في بر دبي، وهو سوق كبير مسقوف بجذوع وسعف النخل ومقسم إلى أجزاء، وفي جزء منه كان يتمركز التجار الهندوس القادمون من الهند.

وكان المسحراتي يمرّ أمام محالّ أولئك التجار لعلّ أحدهم ينتبه إليه، فيخرج صاحب المحل ليسأله عن البقرة، وهي مقدسة لدى الهندوس ويحرمون ذبحها أو أكلها، فيشير المسحراتي إلى السكين التي في يده ويقول إنه سيذبح البقرة، فيطلب منه الهندوسي ألا يفعل، ويعطيه القليل من النقود مقابل نجاة البقرة من الذبح، فيأخذ المسحراتي النقود ثم يُطلق سراح البقرة لتعود إلى صاحبها.

ولم يكن هؤلاء التجار أغبياء ويتعرضون للخداع من قبل المسحراتي، بل كانت الأمور تجري بروح من الدعابة وبدافع من التصدّق وعمل الخير. ومع هذا، يقول لي راوي الحكاية وهو رجل طاعن في السن، إن الشيوخ حين علموا بالأمر، طلبوا من المسحراتي التوقّف عن فعل ذلك وتكفّلوا به. 

وسألتُ مرة الأديب الإماراتي عبد الغفار حسين عن سرّ تقدم دبي مقارنة بأماكن مجاورة كانت متقدمة عليها بأشواط، فقال إن الذي ميّز الإمارات، ودبي تحديداً، هو التسامح، فقد كان هناك تسامح مذهبي قلّ نظيره، فحين كان الإخوة الشيعة يحتفلون بمناسباتهم الدينية كعاشوراء، كان مطارزية (مرافقو) الشيخ يقفون إلى جانبهم، ويأكلون معهم في مساجدهم ومآتمهم التي كانت تُقفَل في أماكن أخرى أو حتى يُمنعون من تشييدها.

وبلغ التسامح مداه مع المختلفين دينياً، وهو أمر نادر خصوصاً مع أتباع ديانات غير سماوية، فكان المطارزي، الذي كان يمثل القوة التنفيذية، حين يرى البانياني (الهندوسي) يؤدي طقوسه على خور دبي، يمر من جانبه وهو متعجب منه، وينتهي الأمر عند هذا الحد.

ومن يجلس إلى كبار السن في الإمارات، يسمع قصصاً مشابهة تؤكد كلها أن التسامح الديني، والتعددية الدينية، وقبول الآخر، ليست أموراً طارئة على أهل الإمارات، وفترة الخمسينيات التي ذكرتها كانت لمجرد الاستشهاد بقصص حدثت في تلك الحقبة، إذ لم يُعرف عن أهل الإمارات غير هذا منذ القدم، ليأتي اليوم من يهمز في موقف الإمارات من استقبال القادة الدينيين، ويتصوّر أن الأمر مجاملة وعلاقات عامة وفيه مصلحة، أو يخرج من يغمز في تديّن أهل الإمارات ويتساءل عن السماح لأتباع الأديان الأخرى بممارسة طقوسهم بحرية في دور عبادتهم.

كان أهل الإمارات هكذا على الأرض حين كانت التعددية الدينية مجرد فكرة معلقة في الهواء في أكثر بقاع العالم، ولم يقع أهل الإمارات يوماً في أحابيل المتعصّبين، والمزايدين، والمتاجرين بالدين، الذين يدعون إلى التضييق على أتباع الديانات الأخرى، ويحرّمون بناء دور يتعبدون فيها، بحجج واهية وتصنيف ليس من الله، ولا من رسوله، ولا وجود له اليوم هو "دار الإسلام ودار الكفر".

حين كان أهل الإمارات يرحبون بأتباع الديانات الأخرى، ولا يمانعون من ممارستهم طقوسهم التعبدية، لم تكن هناك كاميرات تصوّر، ولا صحف تنشر، ولا علاقات عامة ولا هم يحزنون، وإنما كان هذا فهماً وسطياً للإسلام، ورهاناً على إنسانية الإنسان.  


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01