search
إصدارات
ارتباطات
بيل غيتس والمليون راسب
14/6/2014

ينسب للملياردير بيل غيتس قوله: "رسبتُ في بعض المواد وتخطّاها صديقي.. صديقي الآن يعمل مهندساً في شركة مايكروسوفت التي أملكها"، ولأن بقية الراسبين من دفعة بيل غيتس تسلّموا رسائل من الجامعة تشكرهم على حضورهم، وتطلب منهم عدم المجيء مجدداً وإلا أطلقوا عليهم كلاب الحراسة، فقد أصبح بعضهم مدمناً على الكحول الرخيص، أو قابعاً في الأندية الليلية ينتظر حباً غير مدفوع الثمن، أو غارقاً في حجرته وسط دوامات نظرية المؤامرة، وفي أحسن الأحوال موظفاً مرموقاً يقلي أفخاذ الدجاج المقرمش طوال اليوم.

ونحن اليوم لا نعرف هؤلاء، ولا نعرف إن كانوا يعضون أصابع الندم على الاستهتار أيام الجامعة، ولا نعرف رأيهم لأنهم أصبحوا لا شيء قياساً إلى بيل غيتس الذي توضع أمامه مكبرات الصوت حتى لو همّ بالعطس، وأصبحوا لا شيء أيضاً قياساً إلى صديقه الذي تخرّج مهندساً وعمل في أفضل شركة في العالم.

لذلك، حين يقع طالب الجامعة اللا مبالي بدروسه على مقولة بيل غيتس، يتنفس الصعداء ويلقي بالمزيد من كتبه في سلة المهملات، فهو يرسب بينما زميله المثابر ينجح، لكن سيأتي يوم يقدّم فيه زميله سيرته الذاتية إلى قسم شؤون الموظفين في شركته التي سيترك الجامعة من أجل البدء في تأسيسها.

ومن بين مئة ألف طالب يقللون من أهمية النجاح في الجامعة متخذين من بيل غيتس مثلاً أعلى، فإن واحداً منهم يمكن، وربما، وقد، يصبح بيل غيتس زمانه حتى لو رسب في الجامعة، لكن بقية الراسبين سيقلون أفخاذ الدجاج المقرمش في النهاية.

وهكذا يُقال عن آينشتاين، فقد كان متأخراً في تحصيله الدراسي، لذلك ينام الوالدن قريري العين بولدهما المهدد بالطرد من المدرسة، فما هي إلا أيام ويصبح الولد آينشتاين القرن الواحد والعشرين، على الرغم من أن احتمالية أن يصبح آينشتاين لا تتعدى واحداً على مليون، إذا افترضنا أن مليون طالب حول العالم كانوا متأخرين في تحصيلهم في الفترة التي كان فيها آينشتاين "يخربط" على مقاعد الدراسة، وأصبح واحداً من المليون متأخر دراسياً العبقري الأول في العالم، وأصبح الـ 999,999 كسلان عاطلين عن العمل، أو عمّال مناجم، أو مجهولين لا أحد يبالي بمصيرهم أو يهتم بآرائهم.  

ويقضي أحدهم الأيام والشهور في كتابة كلام يتصوّره رواية عظيمة ستغير وجه العالم، ثم يفاجأ بأن الأشخاص الذين منحهم شرف قراءة مسودة روايته، يقولون عنها إنها ليست رواية، وإنما كلام عاطفي مليء بالهوس، ويقترحون عليه أن يرفع ذوقه الأدبي بقراءة الكثير من الروايات، وأن يتعلم تقنية كتابة الرواية.

يتأبط الرجل روايته ويدخل في نفق الاكتئاب إلى أن يعثر على تقرير صحفي عن روائي أميركي يدعى بول هاردينغ، فاز بجائزة بوليتزر الأدبية عن روايته الأولى بعنوان "المصلحون"، والتي رفضتها دور النشر بحجة أنها عاطفية جداً وفيها الكثير من الهوس، حتى تبرعت دار نشر صغيرة وغير ربحية في طباعة 500 نسخة منها.

وبدلاً من أن يقرأ الروايات العظيمة كما قيل له، وبدلاً من أن يذهب ليتعلم كيف يكتب، يضع قصة بول نصب عينيه ويبدأ في البحث عن دار تنشر له، وكلما ودّعه ناشر عند باب شركته وتمنى له حظاً طيباً مع دار أخرى، قال في نفسه: "هكذا حصل مع صديقي بول أيضاً".

وفي النهاية يجد صاحبنا دار نشر تقبل طباعة روايته على نفقته الخاصة، وتمر الأيام والسنوات والرواية لا تحظى بأي انتشار، ثم يتصل به الناشر ويطلب منه الحضور إلى مستودعات الشركة، وهناك يلقي الكراتين أمامه ويطلب منه ألا يتصل به مرة أخرى.

يأخذ صاحبنا الكراتين، وبدلاً من أن يقر بينه وبين نفسه أنه استعجل في نشر الرواية، وأنه لم يكن مهيئاً لدخول هذا العالم، فإنه يتذكر أنه قرأ ذات مرة أن ماركيز ظل لسنوات يبحث عن ناشر لروايته الأولى "الأوراق الذابلة" إلى أن وجد دار نشر، لكن بقيت روايته في المخازن فترة طويلة ولم يحصل عنها آنذاك على قرش واحد. 

فيأخذ في صف كراتين روايته في أنحاء منزله وهو يصبّر زوجته بالقول إنها ستبقى في المنزل بشكل مؤقت، إلى أن حين انتهائه من كتابة روايته الثانية التي ستلفت الأنظار إليه وإلى روايته الأولى، ثم يصف كراتين الرواية الثانية بشكل مؤقت إلى حين انتهائه من روايته الثالثة، لأنه ببساطة يعرف قصص نجاح قليلة كانت فاشلة في بداياتها، ولا يدري عن آلاف الأشخاص حول العالم الذين بدؤوا بالفشل، وانتهوا بالفشل، وقرر أحفادهم التخلص من كراتين رواياتهم بعد أن ملّوا من نقلها من بيت إلى بيت.

بعد سنوات طويلة، وبعد كتابة عشرين رواية عاطفية جداً ومليئة بالهوس، يسمع صاحبنا عن كاتب أميركي يدعى جون كنيدي تول كتب رواية بعنوان "اقتران البلهاء"، لكن دور النشر رفضت نشرها حتى أصيب الرجل بالاكتئاب وانتحر بسبب ذلك، ثم حصل على أرفع جائزة أدبية في أميركا وهو في القبر.

يقف صاحبنا الروائي على حافة الجسر، ويلقي نظره إلى المياه الزرقاء الداكنة من تحته، ثم يرفع رأسه إلى السماء ويشعر بالابتهاج، فبعد ثوانٍ قليلة سيصبح روائياً عظيماً. 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01