search
إصدارات
ارتباطات
كن نمراً أمام المتنمّرين
10/5/2014

في أيام المدارس، كان الطالب يفلت من مضايقات المتنمّرين إذا كان لاعباً في النادي، أو كان معروفاً لدى إدارة المدرسة لكثرة مشاركاته، أو كان قوي البنية مثل الخرسانة المسلحة، أو كان صلباً وحازماً قلبه من حديد، أو كان دبلوماسياً يعرف كيف يتصرف في المواقف الحرجة ويداري خوفه بالتمثيل والتظاهر بالعنفوان، كما كنت أفعل.  

أما من كان بديناً مثقلاً بلحومه ومرتبكاً بشحومه، أو ضعيفاً كأنه قطة مريضة، أو منعزلاً يمشي بجانب الحائط، أو وديعاً لا يؤذي حتى النمل، أو كان ابن أمه دمعته على خده، فكل هؤلاء المساكين كانوا أهدافاً سهلة للأولاد المتنمّرين، وكانوا يتعرضون للإيذاء الجسدي والمعنوي والذل والهوان.

والخلاصة أن الأولاد كانوا أربع فئات: فئة متنمّرة، وفئة تتعرض للتحرش بالقول أو بالفعل، وفئة ثالثة تعيش في أمان وسلام، وفئة أخيرة كانت بمنأى عن المضايقات، لا لمواصفات ذاتية فيهم، وإنما لشيء يتعلق بذويهم، يعني أنا وأنت في وقتنا الحالي.

وقبل كل شيء عليك كولي أمر أن تغسل يديك بالماء والصابون من الخبراء والتربويين الذين الذين يجلسون في المؤتمرات لمناقشة ظاهرة التنمّر، فالظاهرة لا تحتاج إلى دراسة ولا إلى كلام، فقد كانت متفشية في المدارس منذ أن عرفتها سنة 1981، ولا تزال موجودة برغم أنني تخرجت من المدرسة والجامعة وتزوجت وأنجبت وصار أولادي في المدارس، وهذا يعني أن الخبراء والتربويين لم يفعلوا شيئاً طوال تلك العقود سوى التهام الفطائر في البوفيه الذي يعقب جلسات النقاش.

كل ما هنالك أن طفلاً نشأ في غابة من الصراخ والعويل وتبادل الضرب والإهانات حتى صار نمراً، ثم أخذ يتنمّر على عيال الناس الذين تربوا في بيوت وادعة ومحترمة، ومن ثم فلا حل لهذه الظاهرة حتى لو تدخل فيها المجتمع الدولي ووضع برنامجاً لتأهيل المتنمّرين، مثلما لا حل لظاهرة السرقة، والاعتداء، والكذب، والخيانة.

وعليك كولي أمر أن تغسل يديك أيضاً، وبالماء والصابون، من ذوي الأولاد المستأسدين الذين يزأرون فوق رؤوس أقرانهم المسالمين ويثبون عليهم وينشبون فيهم مخالبهم ويقطعونهم بألسنتهم الحادة وأيديهم الطويلة، فهم على عكس ما تأمل وتتوقع وتفترض، لن يعترضوا طريق النمورية التي يسير فيها أولادهم، بل على العكس، ينامون ملء جفونهم لأن أولادهم ضواري يخشاهم الجميع، خصوصاً إذا كان قانون الغابة هو السائد في بيوتهم.  

فماذا عليك فعله لتحمي ولدك إذا لم يكن يلعب في النادي، ولا يشارك في الأنشطة، ولم يكن قوي البنية، ولم يكن صلباً شديداً، ولم يكن يعرف الطرق الدبلوماسية للتعامل مع نمور التاميل؟!

ماذا عليك فعله في ظل الدراسات التي تؤكد أن آثار التنمّر تبقى مع الضحية إلى نحو 40 عاماً، أي المضايقات التي تعرض لها في صغره تستمر معه إلى أن يكبر ويتزوج ويوشك أن يزوّج أبنائه؟!

وكذلك الدراسات التي تقول إن الصحة البدنية والنفسية لضحايا التنمّر تكون أضعف وهم في سن الخمسين من أقرانهم الذين لم يعترض النمور الملاعين طريقهم في صغرهم، وأن التأثير يمتد إلى القدرات العقلية لهؤلاء الضحايا، وإلى مستوى إدراكهم، كما أنهم يكونون أكثر عرضة لأمراض الاكتئاب والقلق والميل للانتحار؟!

يجب في هذه الحالة أن تتصرّف وتتدخل لتجنّب ولدك ذلك المصير السيء لو لم يكن قادراً على إبعاد المتنمّرين عنه، وذلك باتباع الخطوات التالية:

ــ عليك أن تربي شارباً كثيفاً يمكن أن يقف عليه الصقر، وترتعد عند رؤيته قلوب الكبار قبل الصغار، ويعطي الانطباع أن صاحبه يمكن أن يحرق الدنيا لو مسّت الريح شعرة من رأس طفله.

ــ عليك أن تضع نظارة شمسية عند زيارة المدرسة، لئلا يعرف الأولاد ما الذي تفكر به، أو الدافع من وراء دخول المدرسة.

ــ عليك أن تكون متجهّماً طوال وقت وجودك في المدرسة، ويفضّل أن تبدو كالقتلة الذين يمكن أن يفتكوا بأي شيء يعترض طريقهم.

ــ عليك أن توقف سيارتك أمام المدرسة بطريقة استفزازية تنم عن عنجهية، كأن تسد المخرج بسيارتك، أو تلصقها بسور المدرسة، أو تثير الغبار أثناء التوقف أو الانطلاق. وكلما كانت ملامح سيارتك أقسى كانت أفضل، ويفضّل لو كانت مزودة بمحرك يصدر ضجيجاً عالياً.

ــ احذر أن ترسل أم العيال لتتفقد مستوى ولدك في المدرسة، فمن عادة المتنمّرين الاستخفاف بالولد الذي تأتي أمه كثيراً إلى المدرسة.

ــ لا ترسل الابتسامات أثناء الدخول والخروج من المدرسة، ولا تتبسّط في الكلام مع المعلمين والمشرفين أمام الطلبة، ويفضّل أن تقتحم الفصل الذي يدرس فيه ولدك مرة كل شهر، وألا تبالي إلا بوجود المعلم وولدك، وتعامل بقية الموجودين كأنهم غير موجودين، ولو وقع بصرك على ولد متنمّر، فيفضّل أن تعبس في وجهه فوراً كأنك أتيت لتقبض روحه.

ــ عليك أن تقرص أذن طفلك وتحذره من أن يخبر زملاءه بأي شيء يتعلق بك، خصوصاً الأشياء التي يستشف منها أنك إنسان مسكين ووديع ومحب للصغار، وحذره أيضاً من أن يخبرهم عن طبيعة عملك، إلا إذا كنت ضمن الكتيبة التي تنفذ أحكام الإعدام في السجون، أو كنت جزّاراً، أو أي وظيفة تلقي الرعب في قلوب الناس.

ــ ولا مانع لو اختلقت أمام ولدك حكايات عن بطولاتك الوهمية، لكن كن واقعياً أثناء ذلك، فلا تقل له إنك هاجمت أسداً وقطعته إرباً، أو أوقفت بيديك قطاراً قادماً بأقصى سرعته، فمثل هذه البطولات المضحكة تعطي نتيجة عكسية وتصبح علكة في أفواه المتنمرين.

ــ باختصار، يجب أن يبدو عليك أنك مسيطر على الأوضاع، وأنك عنيف تبادر إلى إطلاق النار عند أول مواجهة، وأنك مفترس ونهّاش ووثّاب ونمر حقيقي.

وتستطيع أخيراً أن تحتفظ بهذا المقال إلى أن يكبر ولدك ليفهم دوافعك من كل ذلك، وليبدأ هو في اتباع هذه الخطوات مع أحفادك. 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01