search
إصدارات
ارتباطات
قهوة ومقهى وعملية تفجير
26/4/2014

كانت سيارات الإسعاف تطير إلى محطة القطارات في مدريد بعد وقوع سلسلة تفجيرات إرهابية هناك أودت بحياة مئات الإسبان؛ حين حلت طائرتنا في إحدى المطارات الأوروبية.

ما هذا الحظ السيء؟! هكذا قلت في نفسي، فبعد أن أزالت الجرافات الأميركية أنقاض أبراج 11 سبتمبر، وبدأ الغرب ينسى ما حدث في ذلك اليوم المشؤوم علينا، ها هو الإرهاب المنسوب إلى جماعتنا يتصدر الأخبار في يوم وصولي إلى هذه الديار. 

حملت حقائبنا ودفعت عيالي دفعاً للخروج من المطار والفرار من وجوه الناس، وقضينا ما تبقى من اليوم في الفندق، لعل غبرة التفجيرات تنجلي غداً ويظهر قاتل لا يمت لنا بصلة. لكن حدث ما كنت أخشاه، وبدأت أصابع الاتهام تشير إلى الشرق الأوسط، ورحت أتخيل كلما مررنا أمام مقهى أو مطعم أن الزبائن الجالسين هيئة محلفين، وكلهم يقولون بصوت واحد: نعم مذنب!

وأخذت ألوم نفسي لأنني اخترت مدينة غير معروفة لدى السائحين العرب، ومثل هذه المدن رائعة في الأوقات العادية، لكنك تشعر بأنك وحيد في قفص اتهام كبير في أوقات المصائب، وبدلاً من أن تصف الجارة لجارتها ملامح الأشخاص الذين ارتكبوا الجريمة، فإنها تشير إليك وأنت تسير في الشارع مع عيالك، وتهتف: يشبهون هؤلاء!

لذلك، كنت أضحك مع أطفالي لأي سبب وأضع القبلات فوق رؤوسهم بين الحين والآخر، لأبدو أمام هيئة المحلفين وسكّان المدينة مجرد أب لا يهمه من أمر هذا العالم سوى أن يُرفّه عن أطفاله ويسعدهم.

بعد أن قضينا اليوم الأول ما بين الحدائق والأسواق، كان لا بد أن أختلي بنفسي قليلاً، وأرتاح من "المرمطة" النهارية، فطلبت من أم العيال وقتاً مستقطعاً ونزلت إلى حيث مقهى الفندق، مرتدياً "جلابية" النوم ومنتعلاً نعالاً خفيفاً يشبه نعال جحا، بعد أن بقيت مخنوقاً طوال اليوم بملابس لم أعتد عليها، وأجر قدمي في حذاء ثقيل. 

كان المقهى يطفئ أنواره لحظة وصولي إليه، فقررت البحث عن مقهى في الدائرة المحيطة بالفندق، ولمحت واحداً بدا لي خالياً، لكن حين عبرت بابه وجدته مكتظاً بالبشر، ولم أملك جرأة التراجع أو التقدم، ووقفت للحظات مثل أحمق يلف وسطه بحزام ناسف ينتظر أن يضغط زميله في السيارة على زر التفجير عن بُعد.

كان كل شيء يجعلني أرى نظرات الإدانة في عيون الجميع، فالعملية التفجيرية حدثت بالأمس، والتلفزيون اللعين في المقهى ما يزال يتحدث عما حصل، وأنا في مدينة غير معتادة على رؤية الغرباء، كما أنني لم أهذّب لحيتي منذ أسبوع، وها أنا أدخل عليهم بـ"جلابية"، وجيوبي منتفخة بالأشياء.

وأخيراً أشارت النادلة إلى طاولة في أعماق المقهى، فسرت بين الطاولات مطأطئ الرأس أترجم ما أسمعه بلغة لا أفهمها أصلاً: اقبضوا عليه.. هذا منهم! ماذا فعلنا لكم لتفعلوا هذا بنا؟! ماذا لو أوسعناه ضرباً؟ وغد.. إرهابي.. قاتل.

سمعت كل هذه الأصوات في رأسي، لدرجة أنني كنت على استعداد للإدلاء باعترافات تفصيلية عن دوري في أي شيء خاطئ في العالم، حتى وصلت بعد مسير ساعة إلى طاولتي.

ولا أدري لم ساد الصمت بعد استقراري في مكاني، ولا أدري إلى الآن إن حدث هذا الصمت فعلاً أم أنني كنت أتخيله، والمهم أن النادلة قدمت إلي قائمة المشروبات، وما أن فتحتها حتى وقعت عيني على قهوة كنت قد تناولتها في الصباح، فطلبتها فوراً.

ففي الصباح، وأثناء انتظار أم العيال أمام محل يبيع الخزعبلات النسائية، لمحت "كشك" للقهوة والمثلجات، فذهبت إليه، وألقيت نظرة خاطفة على لوحة قائمة المشروبات خلف البائع، ولفت نظري نوع من القهوة لم يسبق لي تذوقه، بل لم يسبق أن رأيته في محال القهوة عندنا، فطلبته من دون أن أسأل البائع عن مكوناته، لأنني توقعت أن يقول لي: إرهابي وتتشرط؟!

وفي أثناء انتظار قهوتي في المقهى المسائي، تخيلت أن يكون بينهم شخص لاهوتي يقعد يشرح لهم الموقف: سنعرف حقيقة هذا الرجل "أبو جلابية" بعد أن نعرف مشروبه، فلو طلب قهوة أو شاياً أو عصير برتقال، فهذا يرفع من احتمالية تفجيره المقهى.. أما إذا طلب مشروباً كحولياً، فهذا يعني أنه غير ملتزم وليس عنده قضية، حسب وجهة نظر الحضارة التي ينتمي إليها هذا الرجل، ومن ثم فلا داعي للتوجس منه والوثوب عليه ونزع الحزام الناسف الذي يخبئه تحت ثيابه الغرائبية والفضفاضة.

وتخيلت هذا اللاهوتي من أحفاد قضاة محاكم التفتيش الإسبانية التي تشكلت بعد أن أصبحت إسبانيا دولة دينية سلطوية، إذ يقال إن هذه المحاكم كانت تلاحق أتباع الديانات الأخرى وتصدر أحكام الإعدام ضد من يثبت أنه يمتنع عن بعض الأشياء، مثل الامتناع عن الكحول.

وبدأت أفكر في طريقة أبدو فيها كأنني "صايع"، فأشعلت سيجارتي، ورحت أجيل بصري على زجاجات الكحول الواقفة على الأرفف حول المقهى، وفي الأثناء سمعت قرقعة خشب قادمة من ورائي، وفوجئت بالنادلة تدفع عربة خشبية مليئة بالزجاجات، ثم توقفها أمامي مباشرة، فكدت أن أموت: السيناريو الذي تخيلته يتحقق، وأفكاري عن موقفهم مني لم تكن مجرد سوء ظن، فاللاهوتي حين عرف من النادلة أنني طلبت قهوة، طلب منها أن تأتيني بالكحول ليروا ردّ فعلي.

وبدأت أرى بطرف عيني ترقبهم نتيجة الاختبار: هل سيعودون الليلة إلى بيوتهم سالمين أم ستتناثر أشلائهم بعد لحظات؟

وأخذت النادلة تتحدث إلي بالإنجليزية لكنني لم أفهم أي شيء، وبقيت تعيد الكلام وأنا أفكر في الارتماء على الأرض والبكاء بأنني إنسان مسالم، ولا علاقة لي ولا لديني ولا لأهلي ولا لوطني بالإرهاب، بل نحن دعاة محبة وسلام.. فلم هذا الاختبار القاسي يا أحفاد الفرنجة؟!

لم أتناول الكحول منذ أن ولدتني أمي، ولن أتناوله حتى تبتلعني الأرض، وفي الوقت نفسه لن أضغط على الزناد.. لا علاقة بين الموضوعين. اتركوني أعود إلى عيالي، متعهداً بمغادرة مدينتكم غداً صباحاً.. أرجوكم!

وتخيلت اللاهوتي يقف في أي لحظة محولاً المقهى إلى قاعة محاكمة: انظروا أيها السيدات والسادة كيف أوقعنا به في الفخ.. أي إنسان سوي يطلب قهوة بعد منتصف الليل؟! لا يمكن.. والآن، لم لا يشرب ولو قطرة من الكحول ليثبت لنا أنه بريء؟! هل تعرفون أيها السيدات والسادة لم لا يشرب؟! لأنه سيفجر فينا الآن.. انبطحوا أرضاً.. "بوووم".  

واستطعت أن أخرج من عالمي للحظات، وأستوعب ما تقوله النادلة، فقد كانت تسألني: أي نوع من الكحول تفضّله مع قهوتك يا سيدي؟! فقلت لها بتلعثم: أنا طلبت قهوة فقط! فتبسّمت وقالت: وأنا أحضرت لك ما طلبت.. القهوة الإيرلندية التي طلبتها لا تقدم إلا بالكحول!  


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01