search
إصدارات
ارتباطات
مبدأ: اقترح ونفّذ!
20/9/2014

كنت المسؤول عن تنظيم الرحلات والجلسات واللقاءات، الشبابية جداً، بطبيعة الحال والأسف. ولم يكن ذلك في مجموعة أو "شلّة" واحدة، وإنما في أكثر من مجموعة وجدت نفسي فيها: شباب العمل، وشباب الدراسة، وشباب العائلة، وبقايا أصدقاء الحي القديم.

كنت أوجّه الدعوات، وأختار المكان، وأحدد الوقت، وأوزّع المهام، مثل عمل "الدينامو" في المكائن، و"المولينكس" في المطاحن. وكان هذا في عصر المكالمات الهاتفية و"المسجات"، أعني أنني لم أكن أستطيع التواصل مع الجميع بكبسة زر كما يحدث الآن في مجموعات "الواتساب"، أو "البلاك بيري".

أتصل بالأول وأسأله: ما رأيك في أن نلتقي في مقهى بمنطقة جميرا في تمام التاسعة من مساء يوم الخميس؟

فيقول: عظيم!

أتصل بالثاني فيقول: جاهز.

أتصل بالثالث فيقول: ليكن يوم الأربعاء.

أتصل بالأول والثاني وأخبرهما، فيقول الأول: السادسة من يوم الأربعاء، ويقول الثاني: بل العاشرة.

أتصل بالثالث فيقول: لا مشكلة.

أتصل بالرابع الذي لا يدري كم اتصالاً أجريت حتى هذه اللحظة، فيقول كأنه سيأتي من كوالالمبور: جميرا؟! بعيدة يا أخي. لم لا نلتقي في ديرة سيتي سنتر؟!

أتصل بالأول وألاحظ أنه منزعج من اتصالاتي.

وأتصل بالثاني فيقول: لن أحضر! أنتم لا تتفقون على أي شيء!

أتصل بالثالث فيقول: سيتي سنتر.. سيتي سنتر.

ثم يتصل بي الرابع قبل الموعد الذي اقترحه هو في سيتي سنتر ويقول إنه سيكون في بيت شقيقته في أم سقيم، وبين جميرا وأم سقيم خطوة واحدة.

وفي مجموعة أخرى، أتصل بالأول وأسأله عن رأيه في جلسة شواء كباب لحم في برّ الخوانيج بدبي مساء يوم الخميس، فيقول: لم لا نجرّب برّ الشارقة؟

أتصل بالثاني فيقول: تراب دبي والشارقة واحد.

أتصل بالأول فيقول: أنتم أشخاص تقليديون.

أتصل بالثالث فيقول: سأحضر معي المشروبات، فأقول له: المشروبات على الأول، أنت احضر موقد الشواء، فيقول: سأحضر الفحم أيضاً، فأقول: لا حاجة، سأحضر معي ربطات من الحطب، وسنشعل النار فيها ثم نستخدم جزءاً من الجمر في الشواء، فيقول: الفحم أفضل، فأقول: اترك الأمر لي، فيقول: أنت عنيد.

أتصل بالرابع الذي لم يكن طرفاً في الحوار السابق فيقول: ماذا لو جعلناها جلسة بحرية في وسط البر؟ فأقول: يجب أن أتأكد من البقية.

أتصل بهم، فيقول الأول: يا سلام، سمك مشوي!

ويقول الثاني: لا أحب تناول السمك مساء، ما رأيك في الروبيان؟

ويقول الثالث: الناس أذواق، أنا سأكتفي بأسياخ اللحم.

أتصل بالخامس والسادس والسابع وأخبرهم بكل شيء، فيقول الخامس: أعرف مكاناً جميلاً في برّ أم القيوين.

ويقول السادس: الطقس رائع هذه الأيام، لم لا تكون جلسة الشواء في وقت الغداء؟

ويقول السابع: بطوننا ليست خلّاطة! إما أن نأكل اللحم أو السمك.

وفي أثناء الطريق إلى المكان، بعد كل تلك الاتصالات، والاقتراحات، والتغييرات، يصلني "مسج" من الثالث يقول فيه إنه لم يجد الموقد في منزلهم، لكنه اشترى ربطات من الحطب.

ورحلة إثر رحلة، وجلسة عقب جلسة، ولقاء بعد لقاء، كانت حماستي للتنظيم تقل، وفجأة لم أعد أتصل بأحد إلا للسلام وتبادل الكلام، ولاحظ الجميع أننا لم نعد نلتقي، وكان كلما سألني أحدهم عن ذلك، أقول إنني مشغول، لكنني جاهز للحضور في أي وقت، وفي أي مكان، وإحضار أي شيء، وتناول أي شيء.

 وبدأت كل مجموعة ترشّح أعضاء فيها لتحمّل مهام التنظيم، لكن المنظّمين كانوا يتقدمون باستقالاتهم بعد أول لقاء ويرشّحون آخرين لتولي المسؤولية، وهكذا أخذ الجميع علماً بما يحدث للمنظّم، وكلهم ذاقوا مرارة الاقتراحات التي تخرج كما يخرج الهواء من البطن، ولم يعد أحد منهم يرغب في تنظيم أي شيء، واكتفت كل مجموعة باللقاء على فترات متباعدة.

كان لا بد من التدخّل لئلا ينفرط عقد تلك المجموعات ويذهب أعضاؤها في حال سبيلهم، فأخذت أقترح على كل مجموعة ترشيح قائد أو منظّم، هو الذي يوجّه الدعوات، ويختار المكان، ويحدد الوقت، ويوزّع المهام، لكن بشرط واحد يلتزم به الجميع: أي شخص يقترح أي شيء على السيد المنظّم، ينفّذه هو شخصياً، ويتولى مسؤولية الاتصال بالبقية، وإقناعهم.  

تزامن هذا مع ظهور الهواتف الجديدة المزوّدة ببرامج التواصل الجماعي، ورحت أضحك وأنا أقرأ مثل هذه الحوارات:

المنظّم: غداً يا شباب جلسة شواء كباب لحم في البر.

الأول: الجو لا يزال حاراً.

الثاني: فعلاً.

الثالث: ما رأيكم في شواء القباقيب (سلطعون البحر)؟

الرابع: أقترح أن نلتقي في مردف سيتي سنتر.

الخامس: "دبي مول" أفضل.

السادس: أعرف مكاناً لصيد القباقيب. نصيد ونشوي..

الثالث: يا سلام!

الأول: حر يا جماعة!

المنظّم: في إطار سياسة المشاركة، وضمن استراتيجية "اقترح ونفّذ"، غداً يا شباب جلسة صيد قباقيب في "سيتي سنتر" ثم الذهاب لـ "دبي مول" لشواء القباقيب وسط صالة التزلج. لا تنسوا الليمون والملح!

وبعد دقائق من الهدوء، تبدأ الجولة الثانية من الكلام:

الأول: الجو رائع هذه الأيام في البر.

الثاني: فعلاً.

الثالث: شواء الكباب هوايتي المفضلة.

الرابع والخامس والسادس: البر.. البر.

أنا: معكم إن شاء الله.  

وفي مجموعة أخرى:

المنظّم: سفرة إلى الكويت ليلة العيد. جهّزوا حقائبكم ودنانيركم، والباقي عليّ.

الأول: الكويت!

الثاني: أذربيجان يمدحونها.

الثالث: الله الله على الكباب الأذربيجاني!

الرابع: أذربيجان قريبة.. ثلاث ساعات طيران فقط.

الخامس: أعتقد أن كل 10 دراهم إماراتية تعادل 2.1 مانات أذربيجانية.

الأول: نعم صحيح.

المنظّم موجهاً الكلام للأول: في إطار استراتيجية "اقترح ونفّذ"، صار الموضوع عندك. لا تنس حجز الفندق، وتذاكر السفر، واستخراج التأشيرات. زيارة أذربيجان حلمي الذي سيتحقق على يديك.

وبعد لحظات من الهدوء، تبدأ الجولة الثانية:

الأول: الكويت.

الثاني: الكويت أفضل.

الثالث: مطعم "فريج بوصالح" في الكويت ممتاز.

الرابع: الكويت أقرب.. ساعة ونصف طيران.  

الخامس: أعتقد أن كل 10 دراهم إماراتية تعادل 700 فلس كويتي.

الأول: نعم صحيح.

أنا: معكم إن شاء الله. 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01