search
إصدارات
ارتباطات
العصر الحجري الجميل!
24/5/2014

أسند ظهره إلى جدار المغارة مغلقاً ساعة التنبيه، وتناهى إلى سمعه زئير أسد قادم من بعيد. قام من مكانه وارتدى جلد نمر، وفي الأثناء دخلت زوجته وقد زيّنت رأسها بقرني ثور، ورفعت يدها محيية:

ــ صباح الخير يا أغلى من كل حيوان.

ــ صباح النور يا بقرة حياتي.. فحانت من زوجته ضحكة واقتربت منه محاولة نطحه:

ــ بقرة؟ ها؟ خذ هذه النطحة! فعلّق سلسبيل وهو يتفاداها:

ــ نطحة الحبيب مثل أكل الزبيب.

ــ موفق يا حبيبي. قالت ذلك وهي تغوص داخل المغارة بينما سلسبيل اتجه إلى زاوية في المغارة حيث مكنسة يدوية صغيرة يستعملها في فرش أسنانه، وقال:

ــ لا أخشى الوحوش ولا الضواري، وإنما أولئك اللصوص الذين يغافلوننا ويخطفون صيدنا بدم بارد. ناولته زوجته شوالاً ثم هزت الرمح في الهواء:

ــ أنت صيّاد الصيادين كلهم.. غادر سلسبيل المغارة وهو يقول:

ــ سأرى إن كان أخي يرغب في مرافقتي.

ــ شرشبيل إنسان كسول.

ــ لا أدري من أين يحصل على قوت يومه وهو قابع طيلة الوقت في مغارته؟!

ــ الغريب أنه اشترى مؤخراً طقم ذهب لزوجته من محل "جنكل" للمجوهرات.

***

وقف سلسبيل على مدخل مغارة شقيقه وسمع صوت شخير من الداخل، فواصل طريقه نزولاً من الجبل، وبعد لحظات خرج شرشبيل وتبعه بنظراته وقال في نفسه: يحمل هذا الشوال اللعين على ظهره ويخرج إلى الصيد في هذا الجو الحار، ولا يدري أن الدنيا تغيرت وصرنا في زمن النهب.. راح الطيبون وانتهى الزمن الجميل. وهمّ بالدخول لكن صوت وقع أقدام جعله يتسمر في مكانه، وإذ بحسناء تمر في الجوار، فأخذ يراقبها وهو يتلفت إلى المغارة ليتأكد أن زوجته لا تزال تغط في نومها، ثم انسل إلى الداخل والتقط عظمة نظيفة وأخذ عصاه وخرج.

***

كان سلسبيل يجرّ كبشاً من قرنيه ويخاطبه: لا تخف! مجرد مشوار ذبح. وفوجئ بعد قليل بثلاثة رجال يحملون رماحاً مسنونة يقتربون منه وأحدهم يصيح:

ــ اتركه وإلا قطعناك إرباً.. تشبث سلسبيل بالكبش وقال مستعطفاً:

ــ حرام عليكم، لم نذق شيئاً أنا وزوجتي منذ أسبوع.

ـ حرام علينا إن تركناه لك.

ـ لنتقاسمه يا رجال!

ـ لا يرضى الزعيم بكبش مقطّع الأوصال. وقال آخر:

ــ هو لا يحب الهمبرجر. فقال سلسبيل متحدياً:

ــ إذن لن أتركه لكم مهما حصل.. ولم يكد ينهي كلامه حتى انهالوا عليه ضرباً بأعقاب رماحهم وسقط أرضاً.

***

سار شرشبيل بمحاذاة الفتاة وهو يلوّح لها بالعظمة:

ــ نحن هنا يا جميل! توقفت الفتاة فجأة وقالت بحدة:

ــ هل ترضاها على أخواتك؟ فقال بفلسفة:

ــ لا أخوات لي. وأضاف وهو يمد يمده بالعظمة:

ــ ستجدين عنواني مسجلاً عليها، وكل طلباتك على رأسي. فتناولت الفتاة العظمة وصرخت وهي تضربه:

ــ على رأسك، على رأسك.. ولاذت بالفرار.

***

التقى سلسبيل في أثناء عودته بائساً إلى مغارته بالفتاة التي كانت تجري خائفة وهي تنظر إلى الخلف، فهدّأ من روعها وقال لها:

ــ الكبش ليس أعز منك.. وأضاف وهو يضحك: يبدو إنه اليوم العالمي للضرب.

في أثناء ذلك، فوجئا بشرشبيل يخرج من بين فرجة بين جبلين وهو يندفع نحوهما ويرفع عصاه عالياً:

ــ سألقنك درساً يا بنت الكلب! لكن سلسبيل اعترضه وتلقى الضربة بذراعه ثم جذب العصا من يده وأمسك به من لحيته:

ــ تتحرش ببنت الناس ثم تحاول الاعتداء عليها؟! ألا تخجل من نفسك؟!

أخذ شرشبيل يرجوه بأن يترك لحيته ويقول له إنها لحية صناعية، فترك سلسبيل أخاه شرشبيل يمضي في طريقه وهو يغمغم: يبدو أن شريف مكة ألقى عظمته قبلي! فغضب سلسبيل ولحق به وطرحه أرضاً، ورفع قبضة يده ليهوي بها على وجه أخيه الذي أخذ يرغي ويزبد:

ــ أنت لا تعرف "بنات اليومين دُول"، وإذا كانت شريفة كما تعتقد، فلم خرجت من مغارة أهلها لتسرح بين الوديان؟! لقد رأيتها بنفسي قبل أيام تتسكع في "حصى مول". فقام سلسبيل وهو ينفض ثيابه وقال:

ــ أنت لست وصياً عليها، كما أن أمهاتنا وجداتنا لم يكنَّ قابعات 24 ساعة في المغارة. فقال شرشبيل وهو يتفقد أعضاء جسده:

ــ لكنهن ما تسكعن في "المولات". فرد سلسبيل:

ــ وهل كانت في أيامهم "مولات" أصلاً؟! فقال شرشبيل:

ــ لا زلت تعيش في زمن المثاليات.. يا حبيبي الزمن تغير والناس تغيرت.. استيقظ! بنات هذه الأيام لسن مثل بنات الزمن الجميل. فقال سلسبيل وهو يغادر مصطحباً الفتاة:

ــ تغير الزمان شماعة لأمثالك.

***

كان اللصوص الثلاثة يجلسون بداخل عربة إطاراتها مربعة الشكل، وإلى جانبهم كومة ذهب، بينما الكبش ملقى على الأرض والدماء تسيل منه، وعلى مرتفع صخري بالقرب منهم كان يجلس "الزعيم"، وقال أحد اللصوص بنبرة اعتذار:

ــ لقد قطعنا الأودية كلها ولم نجد سوى هذه الكمية من الذهب يا زعيم! ولم يكد يكمل كلامه وإذ بالزعيم يلقي عليه بقايا دجاجة كان يلتهمها ويقول بغضب:

ــ إن لم تكن عيار 22 فسيكون هذا آخر يوم لكم في الحياة.. في هذه الأثناء كان سلسبيل يقترب من المكان بعد أن انتبه إلى الأصوات، واختبئ خلف الصخور وأخذ يصيغ السمع:

ــ لقد جلبتم لي العار في المرة السابقة حين أهديت زوجتي المصون ذلك الطقم الذهبي مدعياً أنني اشتريته لها من محل "جنكل" المعروف، لكن تبين أنه "فالصوه". وكان سلسبيل يقترب شيئاً فشيئاً منهم إلى أن لمح الكبش الذي كان قد اصطاده، فالتقط حجراً ووقف يصغي وهو يحاول أن يرى وجه صاحب الصوت الذي كان يجلس بحيث لا يراه:

ــ الحرامية الذين استعين بهم أغبياء لا يفرقون بين سبائك الذهب و"الإنترلوك". المهم، ماذا جلبتم اليوم؟ فقال أحد اللصوص:

ــ جلبنا كبشاً ذو قرون يا زعيم. فقال بتهكّم:

ــ وهل هناك كبش من دون قرون يا تيس؟! وما حكاية هذا الكبش؟ فقال اللص:

ــ لا حكاية له.

ـ أعرف أنه بلا حكاية، أقصد ما هي أوضاعه؟

ـ أوضاعه مستقرة يا زعيم.

ـ يا غبي، هل سألتك عن شخص منوّم في العناية المركزة؟! أقصد كيف حصلتم عليه؟

وهنا خرج سلسبيل وهو يصرخ في الحرامية:

ــ من هذا الزعيم؟ من هو؟ فاستدار شرشبيل وفوجئ بشقيقه مندفعاً نحوه، فهمّ بالفرار لكن اختل توازنه وانزلقت قدمه وسقط في قعر الوادي وهو يصيح:  

ــ ماتوا الطيبين؟! 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01