search
إصدارات
ارتباطات
احذر الطبّال!
16/8/2014

ما الذي يجعل شخصاً ثقيل الدم يعتقد أنه أحمد حلمي؟ ومَن لا يعرف سوى قلي البيض أنه الشيف أسامة؟ ومَن أدار قسماً مِن خمسة موظفين أنه كارلوس غصن؟ ومَن لم يكتب إلا قصة قصيرة واحدة أنه تولستوي العرب؟ ومن صوته يشبه صوت "الموتر سيكل" أنه عبدالحليم حافظ؟

وراء كل واهم بقدراته شخص يملأ جوفه بالمديح إلى أن ينتفخ، ثم يشدّ جلده بالتشجيع غير الموضوعي، حتى يصبح طبلاً، يهتز جلده المشدود ويصدر صوتاً يقرع أسماع الذين يعرفونه حق المعرفة بالحديث عن موهبته في الكوميديا أو الإدارة أو الكتابة.. الخ. فإن ضربوه على قفاه وأعادوه إلى حجمه الطبيعي، جاء الطبّال راكضاً وسخّن جلده بالحديث عن حسدهم له، وغيرتهم منه. 

كل إنسان معرض للتحول إلى طبل إن قرر أحد الطبّالين ذلك، فماذا ينبغي لك فعله لئلا يخلق الطبّال ذلك الاعتقاد الوهمي عن نفسك، أو يسقي ذلك الوهم الكامنة بذوره في تربة روحك، أو يتسبب في نمو أشجار أوهامك عن نفسك؟

أول شيء يجب عليك فعله هو معرفة الطبّال، كي لا تقع بين يديه. والطبّال غالباً يكون شخصاً معجباً بك، وتقول بعض الدراسات إن غباء الإنسان يزيد بنسبة 30 في المئة عند تحدثه مع شخص معجب به، وفي الأمثال يقولون: حبك الشيء (الشخص) يعمي ويصم، وفي الأشعار يقولون: وعين الرضا عن كل عيب كليلةٍ، وهذا يعني أن الطبّال يفقد عقله في حضورك، ولا يرى أبداً عيوبك.

وقبل أن تقرر من هو الطبّال الخاص بك، عليك أن تعرف صفاته، فهو ذلك الشخص الذي لا يأتي بعدك، ولا ينصرف قبلك، ولا يحول ناظريه عنك أثناء حديثك، ولا يقطع كلامك، ولا يجادلك، ولا يسفّه آرائك، ولا يكذّبك، ولا يسخر من اقتراحاتك، ولا يقول إنه يعلم ما تتحدث عنه، ولا يصدر إليك الأوامر، ولا يخطب فيك، ولا يرد نصيحتك حتى لو لم يطلبها، ولا يجادل فيها إن طلبها، ولا يشير عليك إلا بما يرضيك، ولا ينصحك إلا بما يعجبك.

والطبّال، لا يرد لك طلباً، ولا يبخسك شيئاً، ولا يكسر مجاديفك، ولا يقف في طريق أحلامك، ولا يقول لك "قديمة" إن ألقيت نكتة يعرفها، ولا يبخل بدموع عينيه إن أخبرته للمرة الألف بموقف صعب تعرضت له، ولا يكتم ضحكاته إن حكيت له حكاية كانت مضحكة للمرة الأولى لكنها أصبحت سخيفة بعد قولها مائة مرة، ولا يردد إلا كلمات الثناء والامتنان على أي شيء يأتي منك، وبين الجملة التي تقولها والتالية يقول: الله... الله. يا سلام عليك!

الطبّال حملٌ وديعٌ أمامك، ومسالمٌ معك، وهو الإنسان الذي تشعر بأنه مثالي، والذي تشعر في حضوره بأنك أعظم رجل في العالم، والذي يعطيك الانطباع بأنك الشخصية المحورية في الكون، وأنه لولاك لما دارت الأرض حول الشمس، والذي يعتقد أن موتك سيعني نهاية العالم. والطبّال هو الإنسان الذي تتمنى أن يكون كل البشر مثله، والذي تتخيله فوراً حين يواجهك الآخرون بما لا يعجبك، والذي تقول عنه في نفسك كلما صفعت الحقيقة صفحة وجهك: لا أحد في العالم يعرف قدري كما يعرفه ذلك الرجل.

والطبّال، قد يكون عنيفاً مع الآخرين، ووقحاً، وذكياً، وداهية من الدواهي، وذو نظرة ثاقبة، وفطنة، وحدس، وموضوعية، وعقلانية، إلا أمام طبله الخاص، ينقلب 180 درجة في كل ذلك. مع ملاحظة أن هناك تطبيل منفعي أو مدفوع الأجر، أياً كان شكل هذه المنفعة أو الأجر، والطبّال من هذا النوع لا يشكّل خطورة، لأنه لا يستطيع أن يخلق ذلك الوهم في جوف من يطبّل له. 

عليك الآن أن تحصر المعجبين بك، ثم تضعهم على يمين مخيلتك، وفي الجانب الأيسر تضع تصرفات الطبّال، ثم توصل بين الأشخاص والتصرفات، وكلما زادت الخطوط الواصلة بين أحد المعجبين بك، وبين التصرفات، فاعلم أنه المقصود.

وبطبيعة الحال، هناك اختلافات طفيفة بين المطبّلين حسب المجال الذي يتخصص فيه الطبل المسكين، فالذي يطبّل لشخص بأنه أفضل من ميسي، بينما هو لا يصلح إلا لإحضار الكرات من خلف المرمى، يختلف عن الذي يطبّل لكاتب فاشل ويوهمه أنه طه حسين.

لكن السؤال: كيف تتصرف حتى لا تكون مضحكاً بين الناس الذي يعرفون أنك لست نزار قباني في الشعر، كما يوهمك طبّالك الخاص، ولا آينشتاين في العبقرية، ولا طرزان في الحركات البهلوانية، ولا أفلاطون في الفلسفة، ولا كسينجر في التحليل السياسي، ولا غاندي في المبادئ، ولا مانديلا في النضال؟!

أول شيء عليك فعله هو عدم اعتماد رأي الطبّال فيك عند تقييمك لذاتك، يعني اعتبره لا شيء، لكن بما أن الرجل معجبك بك، فليس من المعقول أن تلطمه على وجهه، بل اتركه يطبّل وحاول في الوقت نفسه أن تقترب من الأشخاص الذين هم على النقيض منه، لتسترد توازنك وتعرف ما لك وما عليك، وتعرف من أنت بالضبط.

نقيض الطبّال هو الشخص الذي إن اقترحت اقتراحاً وثب عليك وقال لك: ما هذا الاقتراح الذي يشبه وجهك؟! وإن ذكرت أمامه معلومة علمية، طلب منك أن تثبت له أن المعلومة صحيحة ودقيقة بشهادة "إلى من يهمه الأمر" صادرة من جامعة هارفارد. وإن قلت رأياً لا يعجبه، جادلك إلى أن تعجز أو تخرس. وإن كان رأيك يعجبه، طلب منك أن توضح الأسباب التي دعتك لاختيار هذا الرأي، ثم جادلك في الأسباب إلى أن تعجز أو تخرس.

نقيض الطبّال، إن بدأت في سرد حكاية، قاطعك بعد الجملة الرابعة أو بعد مضي دقيقة، أيهما يأتي أولاً. وإن سألك شخص عن أي شيء، أقحم نفسه ورد بدلاً عنك ولم يمنحك فرصة الكلام. وإن ألقيت طرفة ولم يكن قد سمعها، رد بصلافة: قديمة! وإن قلت لأمر ما "نعم" قال "لا"، وإن قلت "لا" قال "نعم"، وإن قلت: لا أدري، قال: البلهاء لا يدرون.

وبجملة واحدة: نقيض الطبّال هو الذي تشعر بأنه شوكة في بلعومك، وسبعاً ضارياً أمامك، والشخص الذي يقفز في مخيلتك كلما جلست مع الطبّال وقال وبريق الغباء يلمع من عينيه: الله.. الله.. يا سلام عليك!

 

* نُشر بجريدة "الاتحاد"


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01