search
إصدارات
ارتباطات
كيف تقيّم ثمن السلعة أو الخدمة؟
18/1/2014

حضر صديق لي حفلاً كبيراً باعتباره أحد المكرمين فيه، وبعد أيام اتصل به شخص وعرّف عن نفسه بأنه المصوّر، وطلب مقابلته لإعطائه صورته وهو يتسلم جائزته من راعي الحفل فوق منصة التكريم، فسأله عن سعر الصورة، فقال إنها بـ 300 درهم، وبعد فاصل من المفاوضات؛ وافق المصوّر على 200 درهم، لكن صديقي قال له وهو يهم بإغلاق الهاتف: الصورة لا تستحق سوى 10 دراهم، لكنني سآخذها منك بـ 100 درهم، وإلا علّقها في بيتك واضحك كل يوم وأنت تتأمل وجهي.

وصديقي هذا من النوعية التي تقيّم السلعة والخدمة في حالتها لحظة بيعها أو تقديمها، فكوب شاي في مقهى مطلّ على نوافير دبي "مول"، لا يستحق في نظره سوى نصف درهم، لأن علبة كاملة بداخلها 100 كيس شاي تباع في السوبرماركت بعشرة دراهم فقط، والطمع في نظره هو الذي يدفع المقهى لبيع الكوب بـ 15 درهم، ليجني من علبة واحدة صافي ربح قدره 1,490 درهم، وليس 40 درهماً.

وحين لاحظ صديقي أنني أقف إلى جانب المصور، أخذ يجادل بمنطق الشاي بنصف درهم، وقال:

تم تكريم نحو 200 شخص في ذلك الحفل، ولو افترضنا أن المصور سيحصل من كل واحد منهم، كمعدل، مبلغ 150 درهماً، فهذا يعني 30 ألف درهم.. فهل الكبس على زر التصوير بين الحين والآخر، والدريهمات التي دفعها لتجهيز الصور، يستحقان تقييمهما بذلك المبلغ الكبير؟!

وتعال نحسب قيمة ما بذله المصور من جهد، وما صرفه من نقود في هذه العملية من أولها إلى آخرها. فهو كان يرتدي ملابس لائقة، لكن لا يتعدى سعرها 3 آلاف درهم، وإذا افترضنا أنه سيرتدي تلك الملابس في 20 مناسبة محترمة، فثمن ملابسه في ذلك الحفل يقدر بـ 150 درهم.

ولو افترضنا أنه يسكن في أبعد نقطة في الإمارات عن مكان الحفل، فإن الوقود الذي استهلكته سيارته لن تتجاوز قيمته 450 درهم.

ولمزيد من الإنصاف والعدالة، فإنني سأقيّم ثمن استهلاك السيارة نفسها بـ500 درهم. بل سأعطيه مبلغ 800 درهم كمخالفة مرورية ارتكبها في الطريق.

كان الدخول إلى الحفل مجانياً، والكاميرا التي يحملها المصور لا يتعدى سعرها في أفضل الحالات 10 آلاف درهم، ولأنه سيستخدمها في مئات الحفلات وفي تصوير آلاف الصور، فإنني سأقيّم الكاميرا في ذلك الحفل بمبلغ ألف درهم، ومثله لكل الأفلام التي استخدمها، ومثله لتحميض الصور، ومبلغ 100 درهم للأكل والشرب في الطريق من وإلى الحفل.

وسأفترض أنه يستحق مبلغ 10 آلاف درهم نظير وقوفه على قدميه لأكثر من ساعتين، باعتباره مصوّراً محترفاً ويملك محلاً يدفع إيجاره وأجور العاملين معه والرسوم الحكومية هنا وهناك.

هذا كل ما صرفه المذكور من مال وجهد، ومجموعه مبلغ 15 ألف درهم فقط لا غير. ولو باع الـ 200 صورة على الـ 200 مغفل مثلي بسعر 100 درهم، فإنه سيسترد ماله وعرقه، مع ربح 5 آلاف درهم بالتمام والكمال.

ولو باعها بسعر 200 درهم، فإنه سيجني 25 ألف درهم كربح صافٍ، ولو باع صوره بالمبلغ الذي قدّره في بادئ الأمر، وهو 300 درهم، لحصل على مبلغ 60 ألف درهم، بربح صافٍ يبلغ 45 ألف درهم.

ورغم كرم صديقي في احتساب المال الذي تكبده المصوّر، وتقديره للجهد الذي بذله، فإن أساس حساباته خاطئ، لأنه افترض أن المصور سيبيع 200 صورة، لكن هذا لن يحدث بطبيعة الحال، فعدد من هؤلاء لن يبالوا بصورهم، وعدد منهم لن يتمكن من الوصول إليهم.

كما أن حفلات التكريم لا تحدث كل يوم، وقد يخرج المصوّر بربح 40 ألف درهم من حفل واحد، لكنه قد يبقى شهوراً طويلة يبعد الذباب عن وجهه في انتظار الحفل القادم. ولو كانت هناك حفلات يومية، فإنه من المستحيل على مصوّر واحد حضورها كلها، أو الحصول على حق الحضور والتصوير.  

ولصديق آخر منطق مختلف تماماً عن منطق الشاي بنصف درهم، فهو يقول لو أنك أخذت سيارتك المعطوبة إلى ورشة تصليح سيارات، وألقى الميكانيكي نظرة واحدة عليها، ثم قال لك وهو يتركك متجهاً إلى زبون آخر: التصليح بـ 15 ألف درهم، فإنه يستحق هذا المبلغ حتى لو كانت قيمة القطعة التي سيستبدلها لا تتجاوز ثلاثة دراهم.

ويقول إنه إضافة إلى مصاريف تشغيل الكراج، والرسوم، والأجور، والإيجارات، وغيرها، فإن هذا الميكانيكي ما تمكّن من اكتشاف علة سيارتك في ثانية واحدة لولا أنه ترك الدراسة صغيراً وانكب على وجهه في الكراجات، يتعلم تارة، ويتلقى الصفعات من معلميه تارة أخرى، ولهذا ثمن.

وأنه قضى فترة شبابه تحت السيارات، بينما نحن كنا نتسكع بسياراتنا في الشوارع، وكنا نتعطر بالدخون بينما هو يستنشق الدخان، وكنا ندهن أجسادنا بالمراهم بينما جسده هو يتلقى لطخات الشحوم.

وكنا نعاني من الحر الشديد لدقائق معدودة في أثناء التنقّل من مكان مكيف إلى آخر أكثر تكييفاً، بينما هو ينعم بلحظات من برودة المكيف في الفترة بين تصليح سيارة وأخرى، وكل هذا له ثمنه.

وتحمّل الميكانيكي نظرات الاستخفاف بحرفته من المجتمع الذي ينظر إلى العمل اليدوي كعيب ما بعده عيب، وربما تقدم لخطبة فتاة، لكن والدها ركله في مؤخرته وهو يقول: آخر زمن.. ميكانيكي يريد الزواج من ابنتي!

ومثل هذه الركلة قد تبقى عالقة في ذهنه طوال حياته، يتذكرها كلما رأى زبوناً ناعماً يرتدي ثياباً نظيفة، ولن يلومه أحد إن طلب منه 100 درهم قيمة مبدئية لتصليح سيارته، إضافة إلى 5 آلاف درهم من باب التعويض الأدبي عما لحق به من ألم نفسي جراء تلك الركلة التاريخية.  


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01