search
إصدارات
ارتباطات
أدونيس وخصومه والنسبية الغائبة
4/9/2014

يرى الشاعر والمفكر السوري أدونيس أن تغيير السُلطة مسألة ثانوية، وأن تغيير المجتمع هو الجوهر، فحين يتغير المجتمع ومؤسساته، تتغير السُلطة تلقائياً، وأن العرب منذ 1950 لم يفعلوا شيئاً سوى تغيير الأنظمة، لكن لم يتغير شيء. فما الجدوى – حسب ما يُفهم من أدونيس - من تغيير سُلطة هي نتاج مجتمع لم يتغير؟! كل الذي سيحصل في هذه الحالة تغيير الوجوه، مع عدم استبعاد ألا يكون القادم أسوأ، ففي خضم عملية التغيير، تبدأ تصفية الحسابات، وتكبر الملفات، وتعيد السُلطة الجديدة إنتاج سلوك السُلطة السابقة، وربما بنسخة أكثر تطرفاً، باعتبار أن السُلطتين نتاج المجتمع الذي لم يتغير، ويصبح حال المجتمع كحال الذي أجرى عملية تجميل لتصحيح اعوجاج أنفه، وتكبّد الأموال الطائلة، وتحمل الآلام الرهيبة، فإذا بأنفه - بعد إزالة الشاش الطبي عنه - أكثر اعوجاجاً!

وعلى العكس من ذلك، هناك من يعتقد أن "الرؤية الأدونيسية" هي رؤية السُلطة بامتياز، وأنه لا يمكن للمجتمع أن يتغير من تلقاء نفسه، وإنما على قادة الرأي (النخب) إعادة تعريف الأشياء، وتسمية الأمور بمسمياتها، وتهيئة المجتمع لقبول التغيير. وما دامت النخب لا تقوم بواجبها، إما لأنها مقموعة، أو ملتزمة بالصمت طواعية على الكنبة، أو تشارك السلطة في "تصبير" المجتمع ليتغير هو أولاً.. فلا بديل عن النزول إلى الشارع.

وأعتقد أن المشكلة الأساسية في وجهتي النظر السالفتين أن أصحابهما لا يقيمان وزناً لمبدأ نسبية الأشياء، إذ لا فرق عندهم بين نظام بشار مثلاً وأي نظام آخر عرفه العرب منذ 1950 وإلى يومنا هذا، في تعامي واضح عن تفاوت كبير بين أنظمة تحكم بمنطق العصابات، وأنظمة توفر الحد الأدنى من معايير الحكم الرشيد، وأنظمة أفضل وأفضل.

قد تكون حجة أدونيس - ومن يقول بها - في المطالبة بتغيير المجتمع أولاً مقبولة إذا كانت السُلطة لا تُبعد بسلوكها المجتمع عن التغيير، أعني كيف يمكن وضع عربة المجتمع في سكة التغيير إذا كانت السُلطة نفسها تتربص بالقاطرة التي تجر عربة المجتمع على بعد أميال من المحطة وتجبرها على التوقف؟! كيف يمكن أن يتغير المجتمع إذا كانت نخبه التي صعدت إلى القاطرة مرتدية أكفانها مستهدفة بالتصفية الجسدية أو المعنوية أو المعيشية من قبل السلطة؟! كيف يمكن مباشرة عملية تغيير المجتمع إذا كانت السُلطة تعمل على تزييف وعي أفراده، وتساهم بسلوكها في دفعهم إلى الدوس على ما تبقى لهم من قيم وأخلاق، ليضمنوا مكاناً تحت شمس السُلطة التي لا تشرق إلا على من يسبّح بحمدها ويدور في فلكها؟!

وفي المقابل، كيف يمكن وضع جميع أنظمة الحكم العربية في سطر واحد، ثم وضع نقطة في آخر السطر؟! ففي مقابل أنظمة لا يمكن الصبر عليها دقيقة واحدة، لأنها تتسبب بسلوكها في دفع المجتمع إلى المزيد من الهبوط وبعيداً عن التغيير، هناك أنظمة تستحق أن تعطى فرصة، ما دامت لديها مرونة وتسمح بهامش من الحركة نحو التغيير، وهناك أنظمة من الواضح أنها هي من تسعى نحو تغيير مجتمعاتها نحو الأفضل، وأن النخب بالذات، على الأقل جزء منها، هي من يقاوم التغيير!

وعلى مستوى الدول الحديثة، لا يمكن أن يغض المرء بصره عن الفروقات فيما بينها في درجة الديمقراطية، وفي مستوى الحريات، وفي حكم القانون، وفي استقلالية القضاء، وفي الرقابة والمحاسبة، وفي حقوق المرأة والأقليات، فمن أين جاء جماعة تغيير السُلطة فوراً بالادعاء القائل بأن الدول غير المتطورة سياسياً على درجة واحدة؟! 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01