search
إصدارات
ارتباطات
اختبار المهن والوظائف
30/8/2014

لا بد أنك سمعت عن الممرضة التي وضعت مخدة الخلاص على وجه المريض حتى فارق المستشفى. ولا بد أنك سمعت عن الصحفي الذي أجرى حواراً مع شخص يزعم أنه اكتشف علاج مرض الإيدز لكن لم يطلب منه أي شيء يؤكد صحة مزاعمه. ولا بد أنك سمعت عن المعلم الذي زوّد طلابه بأسئلة الامتحان بعد أن زوّده الطلبة بأموالهم. لكن هل سألت نفسك: لم يحصل كل ذلك؟!

للإنسان عمود فقري يمثل الهيكل المحوري لجسمه، ويبقى الإنسان إنساناً حتى لو فقد يده، أو رجله، أو رأسه، لكنه من دون عمود فقري يتحول إلى مجرد سبونج بوب (الإسفنجة الصفراء المعروفة كرتونياً). والمهن والوظائف مثل الإنسان، في كل مهنة ووظيفة صفة رئيسية ينبغي توافرها في صاحبها، ولا تعود الممرضة ممرضة، ولا الصحفي صحفياً، ولا المعلم معلماً، إذا لم تتوافر فيهم الصفة الرئيسية للممرضة وللصحفي وللمعلم.

وحين نسمع عن ممرضة قاسية، وصحفي بليد، ومعلم "بيّاع أسئلة"، فلأن الجماعة في لجان التوظيف والترخيص يتحققون من السير الذاتية، ومن المؤهلات العلمية، ومن شهادات الخبرة، ومن شهادات حسن السيرة والسلوك، ومن التقارير الطبية. ولا أحد يسأل عن الصفة الرئيسية، وإذا سأل عنها فإنه لا يستطيع التحقق من صدق الإجابة.

فما هو العمود الفقري في مختلف المهن والوظائف؟! وكيف يمكن التحقق من وجوده؟! هنا يأتي دوري باعتباري مكتشف هذه النظرية، ولي كامل الحق في اختيار الصفة الرئيسية للوظائف والمهن، ولي الحق أيضاً في وضع سيناريو اختبار وجود تلك الصفة من عدمه. وليس على لجان التوظيف والترخيص سوى تنفيذ ما أقوله حرفياً.

الصفة الرئيسية في الطبيب الصبر، وفي الممرضة الرحمة، وفي المحامي المنطق، وفي القاضي النزاهة، وفي رجل المباحث النباهة، وفي المهندس الإبداع، وفي الصحفي الفضول، وفي الجندي الشجاعة، وفي منقذ المسابح اليقظة، وفي المحاسب الدقة، وفي مفتش الصحة النظافة، وفي موظف الاستقبال البشاشة، وفي التقني الهدوء، وفي الميكانيكي الأمانة، وفي المعلم الإخلاص.. الخ.

وبطبيعة الحال، يفترض في المحامي مثلاً، أن يكون صبوراً يستمع بالساعات إلى مشكلات موكليه، ورحيماً بهم لا يطلب أتعاباً تقصم ظهورهم، وفضولياً يبحث في المستندات والأدلة، ومخلصاً يعطي كل قضية حقها.

لكن يظل المحامي محامياً حتى إذا لم تتوفر فيه كل تلك الصفات، ما دام أنه منطقي في تفكيره، ولا يعود المحامي محامياً حتى لو كان أكثر صبراً من الجمل، وأكثر رحمة من الأم بوليدها، وأكثر فضولاً من الذباب، وأكثر إخلاصاً من الرجل العربي لزوجته، ما دام أنه يفكر بطريقة غير منطقية.

لكن كيف يمكن التحقق من وجود الصفة الرئيسية في المهن والوظائف؟! الجواب: من خلال اختبار بسيط يجرى أثناء أو بعد مقابلات التوظيف، أو قبل منح الترخيص لممارسة المهنة، ويكون لدى كل جهة توظيف أو ترخيص، موظف ماكر لعين، لنرمز له بالرمز إكس، تنحصر مهمته في مساعدة جهة عمله في الفحص والتدقيق على الصفة الرئيسية.

لنبدأ بمفتش الصحة، فبعد أن يستقر المتقدم لهذه الوظيفة على المقعد أمام أعضاء لجنة التوظيف، يدخل إكس على هيئة فرّاش تنبعث منه الروائح الكريهة، ويفضّل أن تكون أظفاره طويلة تعشش تحتها الجراثيم، ويفضّل أن يدخل وهو يتصبب عرقاً، ويقدم فنجان قهوة للمتقدم للوظيفة، وينبغي أن تكون حواف الفنجان مكسورة ومتسخة، كما ينبغي أن تنبعث من القهوة رائحة غير طبيعية، وإذا استطاع أن يغطي القهوة بالفقاعات فخير وبركة، ثم على أعضاء اللجنة مراقبة رد فعل المتقدم للوظيفة.

فإن أشاح بوجهه عن الفرّاش وعن فنجانه، فهو صالح لوظيفة التفتيش الصحي. أما إذا أخذ يرشف القهوة بتلذذ، ويجيب على الأسئلة بمزاج عال، فيجب تخييره بين مغادرة المكان وعدم العودة أبداً، أو قبول التوظيف في قسم المجاري، فالصفة الرئيسية في مفتش الصحة هي النظافة، وعدم حساسية مفتش الصحة تجاه النظافة، ستجعله غداً يغض الطرف عن وجود الفئران في قدور المطاعم التي يفتش عليها، فحتى لو حفظ كل القوانين ذات الصلة بعمله، فإنه لن يصلح لتلك الوظيفة، لأن لديه خللاً في فهم ما هو نظيف وما هو غير نظيف.

أما الصحفي الذي يعتبر الفضول العمود الفقري لمهنته، فينبغي اختباره قبل الدخول لإجراء المقابلة الشخصية، فيأتي إكس إليه في صالة الانتظار، ويمثل دور متقدم لوظيفة صحفي هو الآخر، ويبدأ في الفلسفة عليه: كنت أعمل في جريدة نيويورك تايمز. تاريخي الصحفي حافل بالإنجازات، فقد أجريت حوارات مع الكثير من الشخصيات العالمية. أعرف كل الأسئلة التي ستطرح عليك في المقابلة.

فإذا لم يسأله المتقدم لوظيفة الصحفي: ولم تركت جريدة مهمة كالنيويورك تايمز؟! ومن هم أهم الشخصيات التي حاورتها؟! وهل ممكن أن أعرف بعض الأسئلة التي ستطرح علي بعد قليل؟! فهذا الأخ لا يصلح للعمل صحفياً، لكن يمكن إرساله للعمل في قسم الأرشيف أو التوزيع.   

وهكذا في كل المهن والوظائف، ينبغي اختبار صاحب المهنة أو الوظيفة في الصفة الرئيسية التي لا بد من توافرها في تلك المهنة أو الوظيفة. ولأن الإنسان يتغير، فلا بد من إجراء تلك الاختبارات بشكل دوري، لكن الأهم من كل ذلك، هو اختبار الموظف إكس نفسه، للتحقق من وجود صفة "اللعانة" فيه.   

 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01