search
إصدارات
ارتباطات
معيار "الرجل الصح"
27/9/2014

فوجئت في المقهى بأحد الأصدقاء يتصفح قائمة الطعام كأنه يبحث عن شاي مشوي، وحين سألته قال إنه جائع، فذكّرته إنها السابعة مساء، وأننا تناولنا الغداء قبل سويعات، فقال: لكنني لم أتغدى!

ولأنه لا يمكن مجادلة جائع، فقد أخذت أرشف قهوتي وأراقب الأحداث التي أعرف مسارها جيداً. ففي أثناء استعراض النادل الأطباق أمام الصديق الذي لم يتغدى، سال لعاب صديق آخر معروف بالشره. ولأنه ليس من اللائق أن ينكب اثنين على الطعام بينما البقية يشربون الشاي، أخذا يشجعان الجميع على مشاركتهما، وفعلاً طلب صديق ثالث شيئاً ليأكله.

وبعد أن سدّ الأول جوعه، وأسكت الثاني شرهه، وشبع الثالث فوق شبعه، بدأ الصديق الرابع والخامس – ومن باب التسلية فقط - في تناول فطيرة من هنا، وقطعة لحم من هناك، ثم فجأة طلبا الكولا باعتبارهما قد تناولا شيئاً دسماً.

بعد ذلك أخذنا نتكلم، أو بالأحرى بقيت أتكلم بعد أن دخلوا في غيبوبة ما بعد الأكل، وحين سمعتُ نداء الجوع من بطني بعد حوالي ساعتين، وسألتهم عن طلباتهم، أبدى الجميع عدم رغبتهم في تناول العشاء، وأصروا في الوقت نفسه أن أتعشى وحدي.

وهكذا، من يتناول طعامه في وقته، يعاقب بتركه يأكل وحيداً على جانب الطاولة، كأنه شحّاذ دخل لينظّف المائدة من فضلاتها. ومن يعيش على "كيفه"، يجد الجميع متوافقين معه ويشاركونه الأكل وهم يلقمون بعضهم بعضاً قطع الدجاج واللحم.  

رفضت بطبيعة الحال أن أتعشى وحدي، وقررت الاستفادة من الذي حصل لتأسيس مبدأ في الطلبات، لكنني عجزت عن ذلك، إذ كنت كلما أقول شيئاً، أسمع ردّاً عجيباً، فحين قلت: الإنسان يأكل ثلاث مرات في اليوم، قالوا: هل هذا قانون منزّل؟! وحين قلت: الساعة السابعة ليس وقت تناول العشاء، قالوا: أجدادنا كانوا ينامون أصلاً في السابعة مساء! وحين قلت: في الوضع الطبيعي لا أحد يتعشى في السابعة، قالوا: من يحدد الطبيعي وغير الطبيعي؟!

ومثل هذه الفوضى تحدث في كل المساحات التي لا تحكمها الضوابط، فهناك أشياء سكتت عنها الشرائع والقوانين والأعراف وقواعد اللياقة، وفي هذه المساحات يلعب الناس من غير وازع أو رادع، ولا بد من إيجاد ضوابط تحدد عدد الوجبات ووقت تناولها ونوعية الأطعمة فيها، وتحدد نوعية الثياب في فصول السنة الأربعة، وتحدد أماكن جلسات الأسر، والأصدقاء، صيفاً وشتاءً، ليلاً ونهاراً، والفعاليات التي تقام خلالها.. الخ.

أهل القانون أراحوا أنفسهم وابتكروا شخصاً افتراضياً أطلقوا عليه اسم "الرجل العادي"، واعتبروه الشخص المعتاد الذي يمثل جمهور الناس، أو المتوسط بين خارق الذكاء والغبي، وكلما ارتكب شخص ما خطأ نجم عنه ضرر، أخرجوا "الرجل العادي" من الكرتون وقاسوا الانحراف الذي صدر من الفاعل بالنسبة إلى "الرجل العادي"، فإذا جاوز فعل الفاعل سلوك "الرجل العادي" في الظروف نفسها؛ اعتُبر متعدياً، واستحق المتضرر التعويض، وإلا فلا شيء عليه، ولا شيء له.

فإذا كنت تسير بسيارتك في أمان الله ملتزماً بسرعة الطريق، وفجأة رأيت شخصاً يسقط من فوق الجسر الذي ستعبر من تحته، فدهسته وفرمته، فإن المحكمة ستحضر "الرجل العادي" وتتخيله يقود السيارة، وستحكم فوراً ببراءتك، لأن "الرجل العادي" ليس بوسعه تجنّب دهس شخص يسقط أمامه فجأة من فوق جسر.

وإذا كنت تسير بسيارتك في أمان الله ملتزماً بسرعة الطريق، وكانت الأمطار تهطل بغزارة، وفوجئت بتجمع للمياه، وانزلقت سيارتك، ودخلت في مطعم مطل على الشارع، وجرفت سيارتك الطاولات والكراسي والزبائن، فإن المحكمة ستعاقبك، لأن "الرجل المعتاد" لا يقود سيارته في الأجواء الماطرة بالسرعة المحددة للطريق، وإنما بسرعة أقل كثيراً، وفي منتهى الحيطة والحذر.

نحتاج إلى فكرة مشابهة للأمور المسكوت عنها، شخص افتراضي نطلق عليه اسم "الرجل الصح"، يتناول إفطاره، بالنظر إلى ساعات الدوام والمدارس في الإمارات، في تمام السابعة صباحاً، ويتغدى في الثالثة عصراً، ويتعشى في العاشرة، وأي شخص لا يحب الالتزام، كرهاً أو طوعاً، بوجبات وساعات "الرجل الصح"، فهذه ليست مشكلة السائرين على هدي "الرجل الصح". 

ومن ثم، إذا لم يتغدى شخص لسبب من الأسباب، فيمكن أن يصبّر بطنه بأي شيء خفيف في الطريق إلى المقهى، لا أن يفسد الجلسة بالأكل منذ اللحظة الأولى في تمام السابعة، ويتسبب في حرمان الملتزم بنمط عيش "الرجل الصح" من تناول العشاء بشكل جماعي مع أصدقائه في تمام العاشرة.

وحين تكون جالساً في غرفة واحدة مع زملاء عمل، وتجدهم يرتعدون من وراء مكاتبهم، وتسمع صوت اصطكاك أسنانهم، وتلاحظ الجليد يتشكّل حول فتحات أنوفهم، إلى أن يرجوك أحدهم قبل أن يسقط متجمداً: اطفأ المكيف! فلن تستطيع القول وأنت تعدّل وضعية الشال الغليظ الذي تضعه فوق رأسك: كيف اطفئ المكيف ونحن في عزّ الصيف؟! الحرارة في الخارج 48 درجة مئوية!

لن تستطيع قول ذلك لأن "الرجل الصح" سيلف الشال حول عنقك ويقول لك: الحرارة هنا تصل إلى 17 درجة مئوية، لكنك لا تشعر بالبرودة لأنك تغطي رأسك بشال، وترتدي ثياب شتوية سميكة، بينما زملاؤك يرتدون ثياباً خفيفة، لأننا في عز الصيف فعلاً.

"الرجل الصح" لن يحرمك من ارتداء أي ثياب تريدها، لكن التحكّم في المكيف لن يكون بيدك أو بيدهم، وإنما بيده هو، ومن يشعر بالبرد مع الحرارة التي حددها "الرجل الصح"، يمكنه أن يأتي الدوام ملتحفاً بأغطية السرير، ومن يشعر بالحر عليه أن يبحث عن المشكلة في شحومه التي تقطر عرقاً، أو البهارات التي يأكلها. عموماً، "الرجل الصح" منطقي جداً، ويراعي الذين يشعرون بالحر، لأن الذي يشعر بالبرد يمكنه أن يرتدي المزيد من الثياب، بينما الذي يشعر بالحر لا يمكنه الحضور إلى الدوام عارياً.

وتخيل أنك قررت دعوة عائلة زوجتك لتناول الطعام في مطعم، لكن كلما اقترحت مطعماً وجدتَ زوجتك ترفضه، فالمطعم البحري لا يصلح لأن الآنسة شقيقتها لا تأكل إلا الدجاج، ومطعم الفراريج لا يصلح لأن الأخ شقيقها سمع من أحدهم أن الدجاج الموجود في الأسواق ملوّث، ومطعم الشحم واللحم لا يصلح لأن السيد والدها أصبح نباتياً، والمطعم الذي يقدم اللحم والدجاج والسمك لا يصلح أيضاً لأن ابن شقيقتها المدلل لا يحب إلا أكل سندويتشات الجبن مساء، فإذا اقترحت أن تكون الدعوة على الغداء مراعاة لهذا الطفل اللعين، ترد زوجتك بأن والدتها المبجّلة لديها مبدأ عدم تناول الغداء في المطاعم.

فماذا تفعل في مثل هذا الوضع "الزفت"؟ ليس هناك إلا أن تطلّق زوجتك أو تحتكم إلى "الرجل الصح" الذي يأكل كل الأشياء، في كل الأوقات، في كل المطاعم، وستجد نفسك حراً في اختيار المطعم الذي يناسبك والوقت الذي يعجبك، وأي مريض نفسي، أو معقّد، أو دلّوع، لن يعجبه ذلك، فهذا ذنبه وليس ذنبك.

يبقى السؤال الذي لن يتفق البشر على إجابته، ومن ثم لن تحل هذه المشكلة أصلاً، وهو: من يحدد معيار "الرجل الصح"؟! 

 

* نُشر بجريدة "الاتحاد"


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01