search
إصدارات
ارتباطات
العنقور هو العنب
26/7/2007

 
في ديوان جلال الدين الرومي "المثنوي" قصة أربعة فقراء كانوا جلوساً على الطريق، أحدهم فارسي والآخر عربي والثالث تركي والرابع رومي، مرّ عليهم محسنٌ وأعطاهم درهماً واحداً غير قابل للتجزئة، فقال الفارسي:

نشتري به "عنقور"، وقال العربي: بل نشتري به عنباً، وقال التركي: لا نريد عنباً بل "ازم"، وقال الرومي: اتركوا هذا كله ولنشتري "استافيل"؛ فدبّ الخلاف بينهم وكادوا يتعاركون بالأيدي لولا مرور حكيم يعرف في اللغات، أخذ الدرهم واشترى عنباً ووضعه أمامهم، ففرحوا وأخذوا يأكلونه وكل واحد منهم يقول في نفسه: أنا الرابح فهذا ما طلبتُ.. وفعلاً كان كل واحد منهم هو الرابح وفي الوقت نفسه لم يخسر أحد، لأنهم جميعاً طلبوا العنب لكن كلٌ حسب لغته. 

والأديان تطلب الله، السماوية منها وغير السماوية، والاختلاف الصغير أو الكبير بينها هو في الطريقة والطقوس، فالسعي مختلف والمسعى واحد، وقد قيل قديماً: "الطريق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق" وقيل أيضاً: "عباراتنا شتى وحسنك واحد".

وإذا أبعدنا الانتهازيين والانتفاعيين والمرائين من كل الأديان، فسنجد الباقين يطلبون الله مخلصين.. وإن كان بعضهم ظلّ الطريق، فالله يعرف نياتهم، فلو أن ملكاً دعا رجلاً للوقوف ببابه كل يوم لأداء التحية، وأخطأ الرجل لسبب خارج عن إرادته ووقف ببابٍ آخر وأدى المطلوب منه بإخلاص، وكان الملك يعلم بحال الرجل، ألن تشفع نية الرجل وصدقه عند الملك فيعفو عنه ويدخله جناته؟

يوضّح هذا المعنى "سلطان العاشقين" عمر بن الفارض في تائيته الكبرى حيث يحكي على لسان الذات الإلهية بلغة متسامحة مع المسيحي صاحب الزُّنّار "الحزام"، ومع اليهودي صاحب التوراة، وحتى مع العاكفين على الأحجار طالما هم قصدوه، ثم يقول عن المجوس الذين عبدوا النار: 

فمـا قصـدوا غيـري وإن كـان قصـدُهـم/ ســوايَ، وإن لـم يُظهــروا عَقـدَ نيــةِ 
رأوا ضـوءَ نــوري مــرةً، فتوهمــوه/ نـاراً، فضلّــوا فـي الهــدى بالأشعـــةِ

وظن المرء أن هذا هو زمن التعصّب بين المسلمين في رفضهم الآخر وتشددهم بين بعضهم بعضاً، وأن الغرب المسيحي الذي دخل في صراعات وحروب على مدى قرون بسبب التعصّب الديني، تعافى من هذا الداء إلى الأبد، لكن البابا بنديكت السادس عشر، بابا كاثوليك العالم، انقلب على نهج الفاتيكان المتسامح مع الآخر بعد أن نشر وثيقة "احتكار روح المسيح" التي يعتبر فيها إيمان المسيحي غير الكاثوليكي ناقصاً وأن كنيسة المسيح الكاثوليكية في روما هي كنيسة المسيح "الحقيقية" والطريق الحقيقي "الوحيد" للخلاص، بينما باقي الكنائس الأرثوذكسية والشرقية والكنائس البروتستانتية إما "معيبة" أو "غير حقيقية"، على رغم أن كل الطوائف المسيحية تؤمن بالثالوث المقدس وبالكتاب المقدس. وفي المقابل، رد بعض قساوسة الأرثوذكس على بابا الفاتيكان بأن الكاثوليكية هي التي انشقت عن الأرثوذكسية المستقيمة و"انحرفت" عن الإيمان لأهداف سياسية..

واضح أن الذين نصّبوا أنفسهم حماة وقائمين على أمر الأديان، لا يفهمون ولا يعترفون ولا يتصورون أن للعنب آلاف الأسماء.. ربما لحاجة في نفوسهم.  

 


Share |
|
|
|
أحمد أميري
30/12/2008 01:54 AM
"وإن كان بعضهم ظلّ الطريق، فالله يعرف نياتهم".. هذا من المقال. حسناً، وماذا عن مليارات البشر الذين جاؤوا بعد ختم النبوة بمحمد (ص)؟ هل على الستة مليار إنسان أن يعلنوا إسلامهم لترضى عنهم؟
متابع..
29/12/2008 5:35 PM
والذين عبدوا البقر ..إنما أرادوا عبادة الله ..والذين عبدوا الفئران ؟؟وعباد النار ..والأصنم قديما ..!! تخبط فكري ..لأن لو الأمر ترك للناس ونواياهم ( الحسنة ) في عبادة رب...لتركهم الرب ولما أنزل كتبا وأرسل مرسلون يا أخ أحمد ...فهل هكذا تورد الإبل في الكتابة ..خصوصا عندما نتحدث عن " عقيدة " وليس عبادة سامحك الله
أحمد أميري
31/7/2007 4:25 PM
شكراً على دستة المواعظ وما علي فعله وما علي تركه.. تحياتي
بوعبدالرحمن
31/7/2007 08:42 AM
بعيدا عن كونك كاتبا، ألا ترى أن الواجب الإجتماعي يحتم علينا إقرار المقررات بدلا من زعزعتها. فما الجدوى من إثارة التساؤلات و الشكوك حول المسلمات. الأجدر بنا إظهار الحقائق المخفية و البناء على القواعد المتينة بدلا من تشكيك المجتمع في قوة تلك القواعد. مجتمعنا بناء يثق بماضيه وتراثه ولا يبالي بمن يمضي حياته في إثارة الجدل حول المسلمات. فأرجو أن تكون فردا من القوم وتتشرف بحضارتنا وماضينا بدلا من أن تتهجم و تستهجن و تغير معاني مصطلحاته المسلم بها. أكررها، كونك كاتبا لا يعطي لك حق إثارة الشكوك وتأخير أفراد المجتمع عن البناء على قواعد حضارته. وأنبهك أن في مقالاتك الكثير من الغرائب التي سيرفضها ويستهجنها عامة الناس فضلا عن مثقفيهم. فلا تجعل انتشار اسمك مرتبطا بغرائب أقوالك وإنما بإيجابية إنتمائك لحضارتك. وإذا ما أصررت على إشهار نفسك بإثارة الجدل حول مسلماتنا، فتجنب مسلمات الدين حتى لا يشكك الناس في حقيقة إنتمائك إليه.
أحمد أميري
30/7/2007 11:03 PM
أخي الفاضل، مهمة الكاتب أن يثير التساؤلات، الكاتب الذي لا يحرك فصاً واحداً في مخ القارئ، لا يعتبر كاتباً.. وليس في الأمر هروب كما تقول، لكن موضوعاً كهذا، أي كفر غير المسلم، يعتبر من المسلمات عند القوم، لا يمكن للكاتب أن يجزم فيه وطبيعي أن يطرح التساؤل ويشكك في صحة ما يقال ويذهب إلى بيته.. أما التراث الإسلامي، فلا أزعم أنني أستاذ فيه، لكنني ملم فيه بما فيه الكفاية.. أما صدق التراث الإسلامي، فالقرآن الكريم محفوظ بإذن الله، لكن الإشكالية في تفسيره، والأحاديث النبوية لا تؤخذ من غير تفكير وتمحيص، خاصة الأحاديث التي تعارض آيات القرآن الكريم، وأنت تعرف الوضاعين جيداً، وتعرف كذلك الأحاديث التي وضعت لأهداف سياسية واضحة.
أبوعبدالرحمن
30/7/2007 9:50 PM
فهمت من مقالك "القلب يكفر وليس العقل" أنك تشك في كفر غير المسلم. بمعنى ليس كل "غير مسلم" يكون "كافرا" ولهذا لن تندرج عقوبة النار والحرمان من الجنة على غير المسلمين وإنما هي محدودة على من "علم الإسلام حقيقة وأيقن بصحته غير أن قلبه كفر به." صحيح؟ أرجو منك ككاتب أن لا تجعل مقالاتك متاهات وتساؤلات. وكأنك تدعو إلى أمر وتعتقده ولكنك تتجنب إثبات ذلك فتبقي لنفسك جسور هروب تبرء بها نفسك عن الإعتقاد بما كتبت يديك. وقبل ردك علي وقبل كتابة أي مقاله، أنصحك بمراجعة التراث الإسلامي حتى لا تظهر في كتاباتك مناقضا لما تدعي الإنتماء إليه. أرجو أن تأخذ تعليقي بعقلانية، مع العلم أني قرأت لك أكثر من مقال مريب يثير لدي تساؤلات كثيرة... هل تؤمن بصدق التراث الإسلامي المتمثل في القرأن والأحاديث النبوية؟!
أحمد أميري
30/7/2007 12:08 AM
الأخ أبو عبدالرحمن وبعد التحية؛ لا يستطيع مسلم القول بأن الكافر يدخل الجنة لأن هذا يخالف القرآن الكريم مخالفة واضحة، لكن السؤال هو: من هو الكافر؟ أرجو قراءة مقالي المنشور هنا بعنوان "القلب يكفر وليس العقل" ليكون الموضوع واضحاً أكثر.
بوعبدالرحمن
29/7/2007 2:30 PM
هل لي الحق أن أستنتج من الفقرة الثانية في مقالك أن إخلاص النية يضمن لجميع الناس مسلمهم وكافرهم دخول الجنة؟
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01